نداء لولي العهد السعودي محمد بن سلمان

الواضح أن قرار التدخل في اليمن تم اتخاذه دون صناعة قرار، وهو في تقديري الخطأ الاستراتيجي الكبير في هذه الحرب!
إذا ترافق الاصلاح بهذا الشكل مع لجم الغرائزية وسياسة “العزة بالإثم” تكون بلادكم التي نُجلها ونتمنى الخير لها ولكم على طريق الصواب.
بعد 315 أسبوعا من الحرب، وبدلا من لجم هذا الصراع، ها هو يتصاعد في حدته ويتسع بمجاله الجغرافي وتتراكم الخسائر الاقتصادية لمنطقة الخليج.
أصعب ما في عملية اتخاذ القرار السياسي هو صناعة القرار، أي دراسة الموقف وتحديد الخسائر والمكاسب لكل بديل ثم تحديد البديل الاقل خسارة والاكثر مكسبا.
الحساب الخطأ في الحياة الدولية امر مألوف، لكن إعادة النظر في الحساب يحتاج لأمرين هما: التوازن النفسي لمتخذ القرار أمام هول الخطأ في الحساب أولا، والقدرة على إعادة دور التفكير العقلاني ثانيا.
* * *

الأمير محمد بن سلمان
تحية طيبة وبعد..
من الصفوف الخلفية للمجتمع العربي أتحدث لكم، واعلم المسافة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بيننا، فأنا استاذ جامعي قضى 42 سنة في تدريس الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية في العديد من الجامعات ومراكز الدراسات، وأنت ولي عهد لدولة عربية ذات امكانيات اقتصادية ومركز ديني وموقع جيواستراتيجي هام، فقد لا يكون لصوتي أي صدى، لكني سأغامر بهذا الصوت فهو حصيلة عدتي وعتادي.
في بداية الحرب اليمنية المعاصرة، وعلى شاشة محطة فضائية أعلنت سمو الأمير تقديرك لمدة الحرب مع اليمن بأنها لن تستغرق أكثر من اسبوعين الى ثلاثة، وها نحن نقف– وبدقة– يا سمو الامير على ابواب الاسبوع رقم 315 (ثلاثمائة وخمسة عشر) أسبوعا، وبدلا من لجم هذا الصراع ها هو يتصاعد في حدته ويتسع في مجاله الجغرافي وتتراكم الخسائر الاقتصادية لمنطقة الخليج من الانفاق على الحرب ناهيك عن الخسائر البشرية وتعميق الكراهية بين الشعوب بما يعيق أي تعاون مستقبلي. يومها سمو الامير كتبت أنا –وهو منشور– أن هذه الحرب قد تمتد لحدود العقد، وها نحن يا سمو الامير على ابواب العام الثامن بعد شهرين.
أعلم من قراءة التاريخ السياسي ان الحساب الخطأ في الحياة الدولية امر مألوف، لكن إعادة النظر في الحساب يحتاج لأمرين هما التوازن النفسي لمتخذ القرار امام هول الخطأ في الحساب أولا، والقدرة على اعادة الدور للتفكير العقلاني ثانيا. ومن الواضح ان قرار التدخل في اليمن هو قرار تم اتخاذه دون صناعة قرار، وهو في تقديري الخطأ الاستراتيجي الكبير في هذه الحرب.

سؤالي أولا هو: ما هي دوافع التدخل في الشأن اليمني من وجهة النظر السعودية التي لو تسمح لي سمو الأمير بكل الاحترام والتقدير ان احددها بناء على فهمي لبنية السلطة السعودية ومنظورها السياسي :
أ‌- القلق من اتساع النفوذ الايراني من حولكم وتمدد الحس الثوري في باطن المجتمع السعودي ليصل لبعض الثقافات الفرعية في هذا المجتمع، مما يفتح المجال امام احتمالات تغيير في السلطة السعودية.
ب‌- الاعتقاد ان كبح القوى السياسية في الاقليم العربي تحديدا ذات الصلة بايران امر استراتيجي، وهو امر بدأت به بلادكم منذ اندلاع الثورة الايرانية( وبخاصة بعد المحاولة التي قادها جهيمان العتيبي في نفس العام الذي قامت فيه الثورة الايرانية) ثم مساندة العراق طيلة فترة الحرب العراقية الايرانية تحت ضغط وهم بان صدام حسين سيخرج منتصرا من الحرب ويقيكم شر الثورة الايرانية.
ت‌- الاتساق مع مطالب امريكية لتكون السعودية جزءا من التطويق الامريكي للثورة الايرانية، وهو امر تتناغم معه قوى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وبالتالي تعزيز دوركم الاقليمي بدعم امريكي
ث‌- تأكيد المكانة المركزية للسعودية في مستويين الاول منهما النظام الاقليمي الفرعي(الخليج ومجلس التعاون الخليجي) والثاني هو النظام الاقليمي العربي بخاصة بعد الذبول المتواصل للدور المصري والعراقي والسوري
ولكن ماذا كانت النتائج لسياساتكم تجاه ايران (بغض النظر عن أي تقييم للسياسة الايرانية):
1- فشل عراقي تام وبدلا من نظام عراقي معاد لايران اصبحت أقرب دولة عربية لسياسات إيران (وهو امر تنبه له مبكرا وزير خارجيتكم الاسبق المرحوم الامير سعود الفيصل).
2- أصبحت القوى المساندة لإيران هي الاكثر وزنا في بنية السلطة السياسية في دولها، فها هم الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان والحركات الاسلامية في غزة، ناهيك عن قدرة ايران على بناء جسور علاقة ودية مع تركيا التي راهن الغربيون كثيرا على احتمالات الصدام الإيراني معها استنادا للارث التاريخي والتنافر المذهبي بينهما .
3- ان سياسات اللبرلة السعودية خلقت تشققات في الاسرة الحاكمة وفي اضعاف السند المعنوي (الدعوة الوهابية) الى جانب الثغرات الاقتصادية التي قد تبدو محتملة في المدى القريب ولكنها اكيدة في المدى البعيد.
4- بدلا من جر قطر بعيدا عن إيران اصبحت هي الاقرب لطهران قياسا للمسافة السياسية بين طهران ودول مجلس التعاون، واصبحت الإمارات هي الشريك التجاري الأول لطهران في المنطقة وتلتزم كل من سلطنة عمان والكويت قدرا من المسافة بينها وبينكم في الموقف الاستراتيجي –لا التكتيكي– من ايران.
5- يبدو ان الرهان على مواجهة عسكرية امريكية او اسرائيلية لايران يتراجع بشكل واضح، ويبدو ان العودة بشكل او آخر للاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة يتعزز تدريجيا ولو ببطء متوقع من كل الاطراف، وهو ما يضعف رهاناتكم التي يبدو انها قائمة على وهم تكرار السلوك الامريكي في العراق مع ايران.
بناء على هذه المقدمة الطويلة، أنقل لك الضجيج العميق في الصفوف الخلفية للمجتمع العربي بـ”عبثية” هذه الحرب، ومن الضروري التنبه الى ان التراجع عن القرار أمر عرفته الخبرة التاريخية لكل المجتمعات.
لقد انسحب الأمريكيون بعد فشلهم من فيتنام ومن افغانستان مؤخرا بل وبدأوا التهيؤ لتخفيف تواجدهم في المنطقة الشرق اوسطية استنادا لحسابات كنت أنا يا سمو الأمير قد تنبأت بها عام 1996 في دراسة منشورة بمجلة السياسة الدولية الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية – بالأهرام.
كذلك سحب السوفييت صواريخهم من كوبا في الأزمة الشهيرة ثم انسحبوا من أفغانستان، وانسحب الفرنسيون من الجزائر وانسحب عبد الناصر من اليمن وانسحب ديغول في فترة معينة ولظروف معينة من حلف الناتو، وانسحب الاسرائيليون من غزة وانسحب البريطانيون من هونغ كونغ والبرتغاليون من ماكاو. والأمثلة الحديثة والمعاصرة اكثر من هذا بكثير.
مراجعة القرار لا يدل على ضعف، لكن أن تتغذي الاوهام على أوهام جديدة قد تقود لذات النتيجة التي وصل لها صدام حسين، وأزعم أن الإيرانيين يديرون معاركهم العسكرية أو الدبلوماسية او الاقتصادية بكفاءة متقدمة على خصومهم من العرب بشكل واضح (بغض النظر عن منافع او مضار هذه السياسة للعرب فهذا شأن آخر)، ولو كان المقام يسمح لسردت عليكم يا سمو الأمير قائمة لا تقل عن مائة من الدراسات الاكاديمية الغربية التي تؤكد هذا التقييم للدبلوماسية الايرانية.

صاحب السمو

استعن بمستشارين خُلّصْ، واستند لخيال ابداعي لا خيال تركيبي يقوم على تركيب الصورة طبقا للتفكير الرغبوي (Wishful thinking)، وان أصعب ما في عملية اتخاذ القرار السياسي هو صناعة القرار، أي دراسة الموقف وتحديد الخسائر والمكاسب لكل بديل ثم تحديد البديل الاقل خسارة والاكثر مكسبا استنادا لمعلومات دقيقة وغير انطباعية، لقد دخل عبد الناصر حرب 1967 بناء على معطيات انطباعية فكانت النتيجة زلزالا للمنطقة العربية لا زلنا نستشعر ارتداداته.
إن الفشل المذهل في تقدير مدة الحرب في بداياتها هو مؤشر على احتمال كبير للفشل في تقدير نتائج الحرب، ولأن بلادكم العزيزة ذاهبة للمستقبل فلا تأخذوها متأبطين الاوهام، والاصلاح السياسي لنظام الحكم كأساس لاتخاذ القرار العقلاني يستوجب لا توسيع فضاءات الاسترخاء الاجتماعي، بل توسيع دائرة مشاركة المجتمع ومفكريه وخبرائه في صناعة القرار واتخاذه.
فإذا ترافق الاصلاح بهذا الشكل مع لجم الغرائزية وسياسة “العزة بالإثم” تكون بلادكم التي نُجلها ونتمنى الخير لها ولكم على طريق الصواب..
تحية لك سمو الامير، راجيا أن لا تحول الجدران العالية دون وصول صوت قادم من الصفوف الخلفية لسمعك … وشكرا

* د. وليد عبد الحي أستاذ علوم سياسية، باحث في المستقبليات والاستشراف.

موضوعات تهمك:

لا «ورود» على طريق «الخلافة»: لماذا لم يُعلن بن سلمان ملكاً بعد؟

قد يعجبك ايضا