لماذا تمكث التماسيح طويلا تحت الماء؟!

بقلم .. أحمد عزت سليم … مستشار التحرير :

كما يرى فوكو- من منظور بنيوي- أن سلطة الدولة لا يمكن حصرها في مجموعة من الأجهزة لأن السلطة علاقات هيمنة تمتد في كل الجسم المجتمعي ، ومن هذا المنطلق البنيوى فإن أجهزة السلطة لاتتمثل فى سيادة الدول بمستوياتها الرأسية والأفقية وأدواتها وممثليها ولا تقتصر فقط عليها وإنما تتحكم في فاعلياتها وآلياتها القوى الاجتماعية القائمة بما تحتويه من علاقات مستترة وظاهرة وقوى عائلية وقرائبية وقبائلية وجمعية وقوة العادات والتقاليد والقيم والأعرف وقوى اقتصادية رأسمالية ومصالح متنوعة ومركبة .

ومهما بدى من قوة سيطرة الدولة ـــ وكنموذج ومثال ـــ فإن الشعب المصرى وعلى الرغم من قوة هذه العلاقات وخضوعها فى أحيانا كثيرة لسيادة الدولة ، استطاع ومن خلال ممارساته المعيشية اليومية والعشوأئية أو المستهدفة أن يكسر هذه السيادة واستبداديتها وبأشكال مباشرة وغير مباشرة وأن ينحى الحاكم / الملك / السلطان / الأمير / الوالى / الدولة / الحكومة / السايسى جانبا وليتحرر منهم ، ولم تستطع السلطة القهرية الاستبدادية على مر التاريخ المصرى أن تجعل المصرى بشكل كلى يسير تحت إرادتها وينخضع لها كلية وبشكل شامل ، وحتى ولو أدى ذلك إلى التخلص منها ولو بالانتحار من كثرة يأسه مما يعانيه من الاستبداد والقهر وكما يتجلى فى تساؤل إيبور الحكيم فى الفترة الفرعونية : ـــ ” لماذا تمكث التماسيح طويلا تحت الماء ؟ ويجيب إيبور : ـــ  من كثرة قيام المصريين بإلقاء أنفسهم فى النهر من اليأس  … ” .

وعلى الرغم من أنه لم يكن نموذج السياسى المصرى عامة ومنذ عصر الحاكم الإله المالك المطلق للأرض وصانع الحياة بكل ما فيها وبكل أنواع سلطاتها والسيطرة على آلياتها ومستقبلياتها ومن خلال التاريخ المصرى خارجا عن فاعليات السلطة والدولة وآلياتها الاستبدادية والمساهمة فى إخضاع الجماهير والتأثير عليها لصالح السلطة ، والتخفى تحت المسميات الحزبية والقوى السياسية من منطلق الهيمنة والسيطرة على المواطنين لصالح أنظمة الحكم  ، فقد استطاع العديد من السياسيين المصريين القيام والمشاركة فى مقاومة استبدادية السلطة والمشاركة فى توعية الشعب ومع مقدرة الشعب المصرى على كشف زيف هؤلاء الساسة ورغم الإدعاءات بأن الشعب المصرى ليس لديه الوعى فى كشف هؤلاء وفى كشف خداعهم ، ولم تكن ثورة 25 يناير إلا نموذجا قويا للثورة على السياسى المتسلط والسياسى المنافق الخاضع للسلطة وللنظام القهرى والمتمثل فى الثورة على سياسى الحزب الوطنى ، وكما تمثل نماذج المقاطعة الشعبية للإنتخابات والاستفتاءات وفاعليات المشاركة السياسية داخل المجتمع ورفض الانضمام للأحزاب السياسية وما تمثله من خضوع واستكانة وفساد وضعف وتفكك وصراع ، نوعا من الرفض والاحتجاج والمقاومة الشعبية للأنظمة الديكتاتورية وآلياتها ورفضا للنخب السياسية وللسياسى الذى يمثلها ، وكما تمثل عمليات المشاركة الشعبية فى مقاومة السلطة كافة أنواع المبالاة الشعبية للحاكم وممارساته وأجهزته وآلياتها وكما تمثل عدم الثقة الشعبية فى نزاهة فاعليات الحكومة والدولة وشرعيتها والحياة السياسية وعدم تمثيلها لطموحاته وآماله ومصالحه ، كما يعزف المواطن عن المشاركة فى مؤسسات المجتمع المدنى تعبيرا عن عدم استطاعة مؤسسات هذا المجتمع تحقيق الحماية للمواطنين ضد القهر السلطوى واقتصار فوائدها على مجموعات مصالح بعينها  ، ومع تعامل البعض منها مع القوى الخارجية وتحت إدعاءات تنمية المجتمع والدفاع عن الحريات ومساعدة الفقراء  ، ولأن المصرى المقاوم فى العهود الفرعونية لم يكن يستطيع بناء القصور فقد إستخدم “الشقفات” للتعبير رفضه للممارسات السلطة الحاكمة مصر القديمة من أجل تصوير الأوضاع السيئة التي يعيشها العامة يوميًا، لتعكس الحياة الظالمة في عهد كثير من الفراعنة الذين تسبب حكمهم بالفوضى فاستطاع المصريون القدماء المقاومة بهذا الفن الساخر من الحاكم فصوروا الملوك برموز ساخرة واستخدموا “رموز الحيوانات” للسخرية منهم وإعلان رفضهم لهم  ، فصوروا الملوك كالفئران وصوروا القضاة كالحمير .

وفي هذه الصورة نرى أن القاضي قد تحول لفأر عجوز يتكئ على عصاه ويأمر بتعذيب مصري من عامة الشعب ، يعذبه قط يتعاون مع الفأر لأول مرة في شكل ساخر من الحكم والقضاء في مصر القديمة .

موضوعات تهمك:

مسرور السياف مازال موجودا فى العالم !!

العالم الجديد مع بدايات 2020 … تنامي وتصاعد للحرب الاقتصادية

قد يعجبك ايضا