كنتاكي

إذا كان المشهد المأساوى منقولا من أكثر الدول تقدما بالعالم فماذا عن دول أقل تقدما؟

كوارث تودي بحياة آلاف البشر لن يقل تأثيرها ضراوة على من يبقون أحياء.

نفقت مواشي واختفت مزارع ومحاصيل وفاقم اقتصاد الرأسمالية المتوحشة الذى صار نظاما عالميا، من حجم الأزمة.

محن تترك آثارا مديدة يطال الأطفال تأثيرها الأقسى فيعيشون ما يتبقى من حياتهم يعانون أمراضا عضوية ونفسية تؤثر على إنتاجيتهم وقدرتهم على العيش بكرامة.

دمار لحق بولاية كنتاكي بسبب إعصار قاتل مؤخرا يظهر حجم الخطر الذى تمثله كارثة التغير المناخي فقد صار غرب الولاية أشبه بالخراب الذى تخلفه الحروب.

* * *

بقلم: منار الشوربجي

من شاهد صور الدمار الذى لحق بولاية كنتاكي الأمريكية بسبب الإعصار القاتل الذى تعرضت له الأسبوع الماضى يدرك بوضوح حجم الخطر الذى تمثله كارثة التغير المناخى. فقد صار غرب الولاية أشبه بالخراب الذى تخلفه الحروب.
فموجة الأعاصير، التى عصفت بثمانى ولايات أمريكية، ألحقت الضرر الأكبر بولاية كنتاكى، حيث راح ضحيتها حتى الآن أكثر من ثمانين شخصا، وصار غيرهم بالعراء لا يملكون سوى الملابس التى يرتدونها.
إعصار قوي ضرب الولاية لم يهدم فقط البيوت فوق رؤوس أصحابها، وإنما وُصف بأنه كان يشبه «تفجير» البنايات، فتنهار بالكامل. وعصف الإعصار بأبراج الطاقة فبات من ظلوا على قيد الحياة دون كهرباء فى شتاء قارس، ولا يُنتظر أن يعود التيار إلى بيوتهم قبل شهر على الأقل. وأعمال الإغاثة والبحث عن المفقودين لاتزال جارية حتى كتابة السطور.
وأنت حين تشاهد الصور يصعب عليك أن ترى الطرقات، إذ تلمح بالكاد بعض الأسفلت هنا وهناك وترى متعلقات البشر والأثاث مبعثرة فى كل مكان.
ويقول سكان الولاية، كما نقلت صحفهم المحلية، إن حجم الدمار جعلهم لا يميزون الأماكن بل ويضلون طريقهم فى المدن التى اختفت معالمها بين ركام الحطام الذى لا يوصف.
ويحسن لمن يريد أن يدرك حجم كارثة التغير المناخي ثم تأثيرها على الدول الأفقر أن يظل يتابع أخبار ولاية كنتاكى. فهى من الولايات العشر الأكثر فقرا بالولايات المتحدة، ومن ثم من أقلها قدرة على احتمال كوارث المناخ الكبرى.
فعلى سبيل المثال، فإن مدينة دوسن سبرينغز، الواقعة غرب الولاية، قد محا الإعصار معالمها. وهى مدينة كان يعيش أكثر من ثلث سكانها تحت خط الفقر، ولم يكن أغلبهم يملكون أي تأمين صحي، ولا غيره من أنواع التأمين بالمناسبة.
وفى مدينة مايفيلد، كان السكان، كما نقلت “بى بى سى”، يجدون متعلقاتهم الشخصية مبعثرة فى مواقع تبعد حوالى 180 ميلا عن منازلهم التى تهدمت! والولاية، التى يقوم اقتصادها، جزئيا، على الزراعة، ستمتد معاناة مزارعيها لشهور طويلة قادمة.
فقد نفقت ماشيتهم واختفت مزارعهم، وبالتالى محاصيلهم. وأضاف اقتصاد الرأسمالية المتوحشة، الذى صار نظاما عالميا، من حجم الأزمة. فبينما الإعصار يدمر كل ما يأتى فى طريقه، اضطر العمال فى أحد المصانع، للبقاء بمواقعهم بعد أن تلقوا تحذيرات بالطرد من وظائفهم إذا تركوها.
فكان عليهم الاختيار بين أن يظلوا أحياء بلا مورد رزق أو الموت تحت الأنقاض، ففضلوا الموت على الوقوع فى براثن العوز والفاقة وفقدان الكرامة الإنسانية. فهم محرومون من شبكة ضمان اجتماعى يعاديها نظام اقتصادى عالمى ظالم.
وإذا كان هذا المشهد المأساوى منقولا من أكثر الدول تقدما فى العالم، فماذا عن تلك الأقل تقدما؟
يحذر الخبراء من أن دول العالم الثالث هى الأكثر عرضة لكوارث التغير المناخي. فبنيتها التحتية ليست مصممة أصلا لاحتمال الأعاصير والفيضانات وموجات الأمطار الشديدة والحر القاتل وغيرها من كوارث الطبيعة.
وهى، بسبب النظام الاقتصادى العالمى الحالى، قد انصاعت لشروط التخلص من أي بقايا لشبكات الضمان الاجتماعى. وانهيار الزراعة فيها معناه ليس فقط كارثة للمزارعين وإنما نقص فى الغذاء قد يصل لحد المجاعة.
وتلك الكوارث التى تودى بحياة الآلاف من البشر لن يقل تأثيرها ضراوة على من يبقون على قيد الحياة. فتلك المحن تترك آثارا طويلة الأمد يطال الأطفال تأثيرها الأشد قسوة، فيعيشون ما يتبقى من حياتهم وهم يعانون أمراضا عضوية ونفسية تؤثر على إنتاجيتهم، وبالتالى على قدرتهم على العيش بكرامة.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحثة في الشأن الأمريكي.
المصدر| المصري اليوم

موضوعات تهمك:

خسائر بايدن في2021.. إخفاقاته وتداعيات كورونا

قد يعجبك ايضا