ضرورة الهدنة الاقتصادية في اليمن

لا يزال القطاع التجاري والصناعي، أسير حرب لدى الميليشيات الحاكمة شمالاً وجنوباً، فمن أين سيأتي التحسن؟!

ينبغي على الأمم المتحدة الخوض في حلول جزئية لا سيما الضغط وراء هدنة اقتصادية، بدلاً من مصارعة طواحين الهواء والدوران بحلقة مفرغة.

نيران الحرب الاقتصادية تمسّ عصب حياة المواطن اليمني أكثر من الحرب العسكرية واستمرار تجاهل هذا الأمر يمكن الأطراف من تعذيب ملايين اليمنيين.

استقرت أسعار صرف الريال اليمني منذ مطلع 2022 عند 1060 أمام الدولار بمناطق الحكومة لكن المواطن لم يلمس أي فائدة من التحسن الحاصل. فلماذا ذلك؟

* * *

بقلم: زكريا الكمالي

الانحسار الملحوظ للأعمال العسكرية في اليمن ليس كافياً، ولا يثبت حُسن نوايا الأطراف تجاه عملية السلام ما لم يقترن بخطوات هامة يلمسها المواطن، وعلى رأس ذلك، هدنة اقتصادية عاجلة.
خفض العنف، رغم أهميته بلا شك، لا ينم عن صحوة واعتراف من أطراف النزاع بأهمية الحل السياسي أو استحالة الحسم العسكري، بل هو مجرد رضوخ للضغوط الدولية التي لم تثمر يوماً عن هدنة دائمة وحقيقية، وأقصى ما تصنعه هو ترحيل المعركة، والدخول في استراحة محارب فقط.
لذلك، وبما أن وقف إطلاق النار لا يزال محاطاً بتعقيدات سياسية ومواقف إقليمية وشروط مسبقة، ينبغي على الأمم المتحدة أن تجرّب الخوض في الحلول الجزئية، ولا سيما الضغط وراء هدنة اقتصادية، بدلاً من مصارعة طواحين الهواء والدوران في حلقة مفرغة.
نيران الحرب الاقتصادية تمسّ عصب حياة المواطن اليمني أكثر من نيران الحرب العسكرية، واستمرار تجاهل هذا الأمر، لا معنى له سوى تمكين الأطراف من أدوات تعذيب ملايين اليمنيين وقتلهم.
خلال العام الحالي، شهد الريال اليمني تعافياً أمام العملات الأجنبية، وبعد أن كان قد لامس حاجز 1700 أمام الدولار الواحد، استقرت أسعار الصرف منذ مطلع العام عند 1060 أمام الدولار، بمناطق الحكومة جنوبي وشرق البلاد. لكن المواطن حتى الآن، لم يلمس أي فائدة من التحسن الحاصل. فلماذا ذلك؟
لا يزال الاقتصاد مُختطفاً لدى أطراف الصراع، خصوصاً جماعة الحوثيين التي دمرت القطاع المصرفي، وخلقت قطاعاً مصرفياً تشطيرياً من عملتين نقديتين، من أجل تطبيق استقرار وهمي للعملة الوطنية.
ولا يزال القطاع التجاري والصناعي، أسير حرب لدى المليشيات الحاكمة شمالاً وجنوباً، فمن أين سيأتي التحسن؟
في صنعاء، شنّت المليشيات الحوثية عملية تنكيل لم يعهدها اليمن، ضد القطاع التجاري والصناعي والمصرفي. منطق القوة الذي لا تجيد سواه، قامت بتطبيقه على التجار ورؤوس الأموال.
جبايات طائلة يتم فرضها لصالح العمليات الحربية، إلى جانب تحديد أسعار غير منطقية للسلع ونهب مدخرات البنوك وشركات الصرافة. والنتيجة، ارتفاع جنوني لأسعار السلع مقارنة بأسعار الصرف، وافتعال دائم للأزمات المعيشية بإخفاء الغاز المنزلي والبنزين من أجل تنمية تجارة السوق السوداء.
وفي عدن، بدأ “المجلس الانتقالي الجنوبي” بمحاكاة التجربة الحوثية، من خلال ابتزاز ونهب القطاع التجاري والصناعي، بفرض جبايات غير قانونية تحت مزاعم توفير الحماية الأمنية، أو جبايات باهظة على البضائع الخاصة بالمدن، خصوصاً تعز.
هذا النهب الممنهج والجائر من قبل المليشيات وأمراء الحرب، جعل السلع الغذائية والمواد الأساسية تتحمل تبعات الابتزاز الحاصل. فالتجار الذين يرضخون لمنطق القوة، يلجأون لتعويض خسائرهم الفادحة من خلال رفع أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك، وقد تجاوزت سعر الصرف المعمول به محلياً، وأسعار الغذاء عالمياً، وحدود المنطق والعقل.
لذلك، تحييد الاقتصاد هو الحل الإسعافي والمنقذ لكافة اليمنيين من جحيم معاناة حقيقية. قطع أيدي أمراء الحرب وإلزامهم بالكف عن التدخل في الاقتصاد، سيعيد للعملة المحلية قيمتها وسيحرم المليشيات من مورد اقتصادي كبير تستخدمه لتمويل حروبها.
لن تصغي المليشيات الحاكمة، شمالاً وجنوباً، لأي دعوات دولية للسلام ما لم يتم حرمانها من جبايات بمليارات الدولارات. السلام لن يتحقق إلا في حال تحييد الاقتصاد وقطع هذه الموارد التي تطيل أمد النزاع. وإذا لم يتحقق ذلك، فإن أمراء الحرب سيواصلون المتاجرة بمعاناة 30 مليون نسمة، وبمباركة أممية ودولية.

* زكريا الكمالي كاتب صحفي يمني
المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

الأمن الغذائي العربي… الفريضة الغائبة

قد يعجبك ايضا