صلاة الشارقة و«بزنس» أبو ظبي!

سيكون ثمن الانتماء إلى «الدين الأبراهامي» تجاهل قواعد دين مواطني البلد نفسه.

تسعى السعودية لتعزيز موقع عاصمتها الرياض كمركز اقتصادي ومالي عالمي وهو ما يخلق منافسة فعلية مع دبيّ وأبوظبي.

روّج حكام أبوظبي لبلادهم وسياساتها بشعارات التسامح لتبرير التطبيع الفادح مع إسرائيل بيافطة «الدين الأبراهامي» لصبغ التطبيع بمظهر ديني.

توجه المسلمون بالإمارات إلى الشارقة لأن سلطات أبوظبي جعلت السبت والأحد يومي عطلة وإنهاء دوام الموظفين بالهيئات الحكومية ظهر يوم الجمعة.

قرر حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي الإبقاء على يوم الجمعة يوم إجازة دون أن يعارض توجيهات أبوظبي في اعتماد السبت والأحد يومي عطلة.

الإفراط في التأقلم يؤدي لنتائج معاكسة حين تتناقض المقدمات مع النتائج ويؤدي التسامح مع عادات وطقوس وسياسات الآخرين لتصلّب مع عادات وطقوس وسياسات «أهل الديرة» نفسها.

* * *

توافد كثير من سكان ومواطني الإمارات على إمارة الشارقة لأداء صلاة الجمعة الماضي في واقعة تحمل دلالات من غير المفترض، ولأسباب كثيرة، في سلطات أبوظبي أن تتجاهلها.
من هذه الأسباب أن القائمين على شؤون الإمارات رفعوا في سياساتهم العامة المقدمة للترويج لبلادهم وسياساتها في العالم، شعارات التسامح والأخوة، وخصصوا وزارة للسعادة.
وكان من ضمن اليافطات العريضة التي استخدموها في تبرير موجة هائلة من التطبيع مع إسرائيل يافطة «الدين الأبراهامي» التي تعطي هذا التطبيع مظهرا دينيا، كون مواطني الإمارات، هم جزء من المكوّن الأبراهامي لأديان اليهود والمسيحيين والمسلمين، بحيث يغدو التطبيع مع إسرائيل انفتاحا إسلاميا على اليهودية والمسيحية.
معلوم أن سبب توجه المسلمين في الإمارات إلى الشارقة كان اعتبار سلطات أبوظبي السبت والأحد يومي عطلة وإنهاء دوام الموظفين في الهيئات الحكومية ظهر يوم الجمعة، بينما قرر حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي الإبقاء على يوم الجمعة يوم إجازة، من دون أن يعارض توجيهات أبوظبي في اعتماد السبت والأحد يومي عطلة.
وكي لا يتعارض قرار إبقاء الجمعة يوم عمل في باقي الإمارات قررت السلطات إقامة الصلاة في ذلك اليوم بعد الساعة 13:15 (الواحدة والربع) ظهرا بالتوقيت المحلي على مدار السنة، وهو ما يمكن أن يتعارض مع تواقيت أداء الصلاة في أوقاتها الزمنية الفلكية حسب الشرع الإسلامي.
في حين التزمت الشارقة بالتعريف الفلكي (والشرعي) لمواقيت الصلاة التي قد تكون قبل أو بعد الساعة التي حددتها السلطات المركزية، متقيدة، على ما يبدو، بعدم وقوع حرج شرعيّ على الراغبين في الالتزام بالصلاة حسب تعريفها الإسلامي.
تكشف الواقعة أيضا أن المصلّين أيضا حاولوا خلق توازن بين قرارات السلطات، وبين واجباتهم الشرعيّة، فوفقوا بين أداء الصلاة وفرصة الغداء ثم عادوا لمزاولة أعمالهم، واجتهد آخرون بالصلاة في الساحات العامة أمام أماكن عملهم اختصارا للوقت، فقاموا بواجبهم الشرعي الذي يرضي ضمائرهم، دون الإخلال بالقواعد التي فرضتها السلطات عليهم.
سبب قرار الإمارات بالتعطيل يومي السبت والأحد، والعمل يوم الجمعة، حسب الأنباء، هو الالتزام بحركة الاقتصاد والمال و«البزنس» في العالم، ولتأكيد موقعها كمقر مهم للشركات الأجنبية، وخصوصا في ظل التنافس الجاري حاليا بين السعودية والإمارات، حيث تسعى الأولى إلى تعزيز موقع عاصمتها الرياض كمركز اقتصادي ومالي عالمي، وهو ما يخلق منافسة فعلية مع دبيّ وأبوظبي.
يبدو هذا السبب مقنعا، لو أن توقيت الساعة في العالم واحد، لكنّ الفروقات الكبيرة في التوقيت تؤدي، فعليا، إلى إغلاق أسواق البورصة، ومواقع الاقتصاد، عالميا، في مواقيت مختلفة ومتباعدة، فتوقيت سيدني، في أستراليا، يسبق توقيت نيويورك بـ16 ساعة، وتوقيت طوكيو، عاصمة اليابان، وهي إحدى مراكز الاقتصاد الكبرى في العالم، يسبق توقيت نيويورك، بمقدار 14 ساعة، وتوقيت أبو ظبي نفسها، يسبق نيويورك بـ9 ساعات، وهو ما يقارب يوم عمل كامل.
يساهم التأقلم مع قواعد العلم والاقتصاد والسياسة والاجتماع في العالم في قدرة بلدان صغيرة، مثل الإمارات، على إعطائها قدرة أكبر على التغير الملائم للتطور والتنمية والسير في عالم يتغيّر بسرعة.
لكن الإفراط في محاولة التأقلم، قد يؤدي، أحيانا إلى نتائج معاكسة، حين تتناقض المقدمات مع النتائج، ويؤدي التسامح مع عادات وطقوس وسياسات الآخرين إلى التصلّب مع عادات وطقوس وسياسات «أهل الديرة» نفسها، ويكون ثمن الانتماء إلى «دين أبراهامي» واسع، تجاهل قواعد دين مواطني البلد نفسه.

المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

شذرات فكرية في ذكرى سقوط الاتحاد السوفييتي

قد يعجبك ايضا