دول بريكس ومستقبل ناتو الشرق الأوسط

انعقاد قمة دول بريكس قدم مؤشر على ارتفاع حالة السيولة السياسية والاقتصادية في الساحة الدولية.
الحرب الأوكرانية قدمت قوة دفع كبيرة لمجموعة دول بريكس التي تستحوذ على نسبة كبيرة من حجم الإنتاج العالمي الصناعي والنفطي والغذائي.
تتراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات وشراكات مستقرة ومنها حلف ناتو الشرق الأوسط الذي تروج لها أمريكا دون تحديد أهدافه بوضوح.
محاولات أمريكا لتصليب الجبهات ضد روسيا والصين تواجه عوائق مادية وعملية وعوائق هيكلية ومؤسسية يصعب تجاوزها كمجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي.
ناتو الشرق الأوسط يحمل بذور فنائه وانهياره وتفككه بانضمام الكيان الصهيوني واستمرار حالة السيولة في عضويته وأهدافه وتنامي نشاط الصين وروسيا المضاد.
الحلف الجديد مرشح للتحول إلى سبب صراع وفوضى ستفوق مخاطرها الفوائد المتحققة لأمريكا وذلك دليل آخر على عقم القيادة الأمريكية وتراجع فاعليتها.
* * *
بدأت أمس الخميس، أعمال قمة “دول بريكس” الـ14 التي تستمر يومين برئاسة الصين عبر الفيديو؛ وحضر القمة رؤساء المجموعة ( الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والرئيس البرازيلي، جاير بولسونارو، ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا، سيريل رامافوز).
كما أعلنت كل من إيران ومصر مشاركتها في القمة التي باتت محور اهتمام الدول الراغبة في تخطي الصعوبات الاقتصادية المتولدة عن حرب أوكرانيا سواء عبر البحث موارد جديدة من النفط و الغذاء أو البحث عن أسواق جديدة ونشطة أو أدوات مالية وقروض تساعدها على تخطي المرحلة الصعبة.
الدول الخمس المشكلة لمجموعة دول بريكس في ظل أزمة أوكرانيا بلورت نواة لتكتل اقتصادي يملك إمكانات جاذبة بعد أن ارتفع معدل التبادل التجاري بينها خلال الأشهر القليلة التي تبعت الحملة الروسية على أوكرانيا بمقدار 38%؛ لتضيف 45 مليار دولار إلى التجارة الخارجية بين دول المجموعة؛ في حين بلغت حصة الصين منها 12% فان حجم مساهمتها في التجارة البينية بين دول بريكس بلغ 195 مليار دولار.
تطور التبادل التجاري بين دول المجموعة عكس رفض دول المجموعة الانضمام إلى العقوبات التي فرضتها أمريكا وأوروبا على روسيا؛ فدول المجموعة رفضت إدانة الحملة الروسية على أوكرانيا.
وعمدت جنوب أفريقيا للدفاع عن الموقف الروسي في أوكرانيا لدرجة دفعت الولايات المتحدة وأوروبا لتوجيه انتقادات حادة للرئيس الجنوب أفريقي متهمة إياه بالانحياز لرؤية الروسية والخضوع لموقف الحزب الشيوعي في البلاد.
دول بريكس مثلت متنفسا لروسيا وتحولت إلى مجموعة تستقطب الدول الإقليمية كإيران ومصر؛ فالحرب الأوكرانية قدمت قوة دفع كبيرة لمجموعة دول بريكس التي تستحوذ على نسبة كبيرة من حجم الإنتاج العالمي الصناعي والنفطي والغذائي.
فالصين وحدها مسؤولة عن 3 ونصف تريليون دولار من حجم الصادرات العالمية؛ كما تستوعب أسواقها رقما مماثلا على شكل وارادات؛ في حين أن البرازيل تصدر ما قيمته 33 مليار دولار من الزيوت النباتية و13 مليار دولار من اللحوم إلى جانب الخامات والتكنولوجيا و تعد آسيا والصين الشريك التجاري الاساسي للبرازيل.
وتحتل الهند مكانة متقدمة وواعدة بين دول المجموعة؛ في حين تمثل روسيا سلة الغذاء وبرميل النفط منخفض الكلفة؛ ما دفع الرئيس بوتين لطرح مشروع لعملة احتياط عالمية لمجموعة دول بريكس ونظام تحويل خاص بها يمكنها من تجاوز المعيقات التي تضعها الدول الغربية.
انعقاد قمة دول بريكس قدم مؤشر على ارتفاع حالة السيولة السياسية والاقتصادية في الساحة الدولية؛ فمحاولات أمريكا لتصليب الجبهات في مواجهة روسيا والصين تواجه عوائق مادية وعملية على الأرض بجانب العوائق الهيكلية والمؤسسية التي يصعب التخلص منها كمجموعة دول بريكس ومنظمة شنغهاي للأمن والتعاون.
هياكل وبنى سياسية واقتصادية؛ شجعت الهند على تحدي واشنطن رغم عضويتها في مجموعة “كواد” بجانب أمريكا واليابان واستراليا بامتناعها عن الانضمام للعقوبات على موسكو؛ كما شجعت مصر وإيران على اللقاء في بكين بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والإيراني إبراهيم رئيسي قمة دول بريكس في بكين.
المشهد الدولي يتمتع بقدر عال من السيولة؛ فقدرة الولايات المتحدة على القيادة وبناء التحالفات تراخت وتراجعت بشكل كبير في أنحاء مختلفة من العالم رغم النشاط الأمريكي المفرط في قمة طوكيو لدول “كواد” أو قمة الأمريكتين في لوس أنجيليس؛ لتتراجع معها الثقة بقدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات وشراكات مستقرة؛ ومن ضمنها حلف ناتو الشرق الذي تروج لها أمريكا دون ان تحدد اهدافه بوضوح؛ وهو أمر انتقده الملك عبدالله الثاني بطريقة غير مباشرة في لقاءه على شبكة CNBC مع الإعلامية هادلي غامبل.
خلاصة القول إن ناتو الشرق الأوسط يحمل بذور فنائه و انهياره وتفككه في حال انضمام الكيان الصهيوني واستمرار حالة السيولة في عضويته وأهدافه وتنامي نشاط الصين وروسيا المضاد.
فالحلف الجديد مرشح لأن يتحول إلى سبب للصراع والفوضى التي ستفوق مخاطرها الفوائد المتحققة للولايات المتحدة؛ مقدما بذلك دليلا آخر على عقم القيادة الأمريكية وتراجع فاعليتها.

* حازم عياد كاتب وباحث سياسي

المصدر: السبيل – عمان

موضوعات تهمك:

“الشرق الأوسط الجديد”.. الاستعارة والحقيقة

قد يعجبك ايضا