تونس إلى اين؟

يبدو أن الرئيس تمكن من ضمان وقوف المؤسسة العسكرية والأمنية إلى جانبه مع ضمان تأييد قطاع معقول من المجتمع والقوى السياسية.

تواجهه حركة النهضة ظاهرة انحسار القوى الإسلامية التي تنبأنا بها في 1995 وفي دراسات اخرى بعدها وحددنا فترة الانحسار بين 2020 و 2025.

تبدو بيانات دول الغرب أقرب للوم “الناعم” للرئيس واقرب للدعم الضمني لحزب النهضة، ناهيك عن المساندة القطرية والتركية وأدواتهما الاعلامية.

بدأ الخلاف بين الرئيس والنهضة المسنودة بحزبها وحزب قلب تونس والكرامة مبكرا وترافق معه أن مساحة ساحة النهضة المعتمة اوسع كثيرا من المضاءة.

تبدو كفة الرئيس أرجح من خصومه ولعل تهديده بان من يطلق رصاصة ضد الدولة “سيتم الرد عليه بالرصاص” يخفي هواجس وراءها “الخبرة العربية بالعقد الماضي.

لكن دستورية قرارات سعيد المتكئة على مؤسسة عسكرية تنمو بتسارع وتظهر أن النخبة السياسية التونسية ستواجه معضلة لم تعرفها من قبل وسيكون الحل مرتبط بدور قوى إقليمية ودولية أكثر من القوى المحلية.

* * *
بقلم: وليد عبد الحي

ثمة سلسلة من الآراء التي يتم طرحها حول الازمة التونسية لا تبدو أنها تقوم على قياس وادراك دقيق، ويكفي ان نشير الى المؤشرات التالية:
أولا: موضوع الفساد الذي يبدو ان جزءا من النقاش لاسيما من جانب الرئيس قيس سعيد يتركز عليه كسبب لما حدث من تعطيل المسار الطبيعي للدولة ومؤسساتها، فمؤشر الفساد في تونس تراجع خلال الفترة من 2015 الى 2020 بمعدل ست نقاط جعل تونس تحتل المرتبة 69 بين دول العالم، وتراجع الفساد من 38 نقطة الى 44 من مائة( الرقم الاعلى يدل على شفافية اكبر).

ثانيا: عدم الاستقرار السياسي: إذا اعتمدنا مقياس (The globaleconomy) الذي يقوم على مقياس من +2.5(اعلى درجات الاستقرار) الى – 2.5(اقصى درجات الاضطراب)، فان تونس كانت منذ 2011 في خانة السالب في الاستقرار، لكنها انتقلت من – 0,06 عام 2010 الى – 0,96 ( فترة حمى الربيع العربي) عام 2015 الى 0.83 عام 2020، أي انها تسير نحو استقرار افضل بين 2015 و 2020، رغم ان هذا السير بطيء للغاية ،كما انه يبقى ضمن دائرة الدول غير المستقرة.

ثالثا: إذا اعتمدنا مقياس (EIU) للديمقراطية استنادا لعشرات المؤشرات المركزية والفرعية فان تونس عرفت تحسنا طفيفا، ففي عام 2015 كان معدل الديمقراطية 6.31 من عشرة، وارتفعت قليلا الى 6.59 عام 2020.

رابعا: عدالة توزيع الدخل او الثروة(Gini Index)، تقع تونس خلال الفترة من 2015 الى 2021 عند معدل 32.8، أي ان 10% من السكان يمتلكون 32.8 من الدخل، وهو امر يضع تونس ضمن الدول العادلة نسبيا، لكن ذلك لا ينفي بعض الخلل في المعطيات الاقتصادية مثل:أن ديون تونس تعادل 84% من الناتج المحلي،وان نسبة البطالة 17% وهي اعلى من ذلك بخاصة بين الشباب ، كما ان خطة الاصلاح الهيكلي التي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي لم تعرف تقدما ولو بخطوة واحدة، يضاف الى ذلك الفشل في مواجهة جائحة الكورونا ، فحتى الآن لم يتم تطعيم الا 7% من السكان الذين يصل عددهم 12 مليون نسمة ، وان عدد الوفيات من الجائحة قارب على 19 الف وفاة.

بالمقابل ، لا بد من التوقف عند ظواهر اخرى ذات مضمون سياسي وامني وربطها لاحقا بالمؤشرات السابقة:

1- ارتفع الانفاق العسكري التونسي من 715 مليون عام 2011 الى 1157 مليون عام 2020 أي بزيادة تصل الى 62%، وهو ارتفاع يضعها ضمن الدول الاعلى في هذه النقطة تحديدا، وهنا لا بد من رصد الاتجاه الاول وهو تحسن في الديمقراطية والاستقرار-نسبيا- وعدالة لتوزيع الدخل مع تزايد غير مبرر في حجم الانفاق العسكري،وهو امر ينطوي على خلل قد يفضي لما هو اسوأ في ظل الخبرة العربية ودول العالم الثالث لدور المؤسسات العسكرية.

2- التناقض في بنية وتوجهات الحزب الاكبر في تونس على النحو التالي:

أ-إذا اعتمدنا التمثيل البرلماني فان حزب النهضة الاسلامي(الاخواني) هو الحزب الاكبر، الا انه يحتل أقل من ربع مقاعد البرلمان ، أي انه ليس صاحب اغلبية تؤهله للتحكم في القرار، بل ان المرشح المعروف بدوره في حزب النهضة في آخر انتخابات رئاسية (عبدالفتاح مورو) جاء في الترتيب الثالث بعد قيس سعيد وبعد نبيل القروي.

ب- ثمة خلاف داخل النهضة بين ” أجيال ” النهضة، فرئيس قطاع الشباب في حزب النهضة راشد الكحلاني تحدث عن مناقشات داخل الحزب تكشف عن تباينات داخل الحزب بخصوص القيادة وتوجهاتها، وهو ما قد ينتهي في رأينا كباحث لانشقاقات او توجهات للعنف داخل الحركة في حالة تصلب القيادة في مواقفها.

ج-الموقف الملتبس لحزب النهضة من اسرائيل، ويتكشف هذا الالتباس من خلال:

1- في 21 مايو 2021 ناقش البرلمان موضوع تجريم التطبيع مع اسرائيل، الا ان موقف حركة النهضة لم يكن مواتيا مع السير في هذا الموضوع.

2- في عام 2015 اقترحت الجبهة الشعبية تجريم التطبيع في البرلمان لكن الامر لم يأخذ طريقه للنقاش بسبب مواقف النهضة من الموضوع.

3- قال رئيس الوزراء التونسي الاخير هشام مشيشي( ديسمبر 2020) والذي نال ثقة برلمانيي حزب النهضة ردا على تطبيع المغرب لعلاقته مع اسرائيل بالقول ” ان تونس ليست معنية بتطبيع دول اخرى علاقاتها مع اسرائيل(أي انها قضية لا تعنيها).

4- في عام 2014 عند العمل على صياغة الدستور، تم طرح اقتراح بتضمن في ديباجته نصا على تجريم التطبيع مع اسرائيل ،وكانت النتيجة اعتراض اغلب ممثلي حزب النهضة على ذلك ، بل ان لجنة فلسطين والقدس في البرلمان التونسي شبه معطلة، واتهمت حركة الشعب حزب

النهضة بتعطيل كل المبادرات لتجريم التطبيع بما فيها امتناع النهضة عن المشاركة في عام 2015 في مناقشة موضوع تجريم التطبيع. وبدلا من ذلك تم تضمين الديباجه بالدعوة لمساندة حركات التحرر بما فيها حركة التحرر الفلسطينية .

5- صرح رئيس النهضة راشد الغنوشي أن حركة النهضة تعارض إدراج حظر التطبيع مع إسرائيل في الدستور التونسي ، و قال إنه ليس الوسيلة المناسبة لمعالجة القضية.( ورد ذلك في 30 نوفمبر 2011.. اثناء زيارة الغنوشي لمركز دراسات مقرب من الآيباك ، ووضع المركز The Washington Institute for Near East Policy) نص الخطاب على صفحته التي يمكن الرجوع لها.

6- يلاحظ ان موقف الرئيس متقدم على موقف النهضة في موضوع تجريم التطبيع مع اسرائيل..وهو موقف له اثاره الايجابية على صورة الرئيس في الذهن الشعبي التونسي .

خامسا: الموقف الملتبس للرئيس : رغم ان السيرة الذاتية للرئيس التونسي لا تشير لارتباط حزبي رسمي له، او خلفية آيديولوجية واضحة، الا ان هناك تقارير عن بعض علاقات “ملتبسة” مع قيادات في حزب التحرير الاسلامي التونسي، ولعل لقاءه مع الناطق الرسمي السابق لحزب التحرير رضا بلحاج في ديسمبر عام 2017 هو الذي ترك هذا الالتباس، فقد انتهى الاجتماع الى انطباع ايجابي من بلحاج الى الحد الذي جعله على صفحته في الفيسبوك يصف قيس سعيد بأنه ” الشهم والجرئ وصاحب المعرفة” وهي اوصاف يصعب ان يصدرها حزب التحرير على شخصية معينة ، لكن الحزب نفي في فترة سابقة بخاصة اثناء الانتخابات أي ارتباط رسمي للرئيس به.

سادسا: الالتباس القانوني: نظرا لتعثر تشكيل محكمة دستورية في تونس لفض النزاعات بين المؤسسات عند الخلاف حول نص دستوري، فان الرئيس (وهو استاذ قانون دستوري) ارتأى انه في غياب المحكمة فانه يتولى تفسير وفهم الدستور ، وعليه قام بتفسير المادة 80 من الدستور والتي تنص على ” لرئيس الجمهورية في حال الخطر الداهم الذي يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس ومجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن (الرئيس) عن التدابير في بيان إلى الشعب”.، ولما كانت المحكمة غير موجودة ، وقام الرئيس بتجميد وليس بحل البرلمان وعزل رئيس الحكومة لمدة مؤقتة يعين خلالها بدلا له، فان الامر خلق التباسا لدى القوى السياسية حول مدى دقة تفسير وتأويل الرئيس للدستور، في الوقت الذي يشير الفقهاء الدستوريين ان الدستور حدد مهام الرئيس في ” الشؤون الخارجية من ناحية أولى ( وهو ما كان واضحا في طرد الرئيس للمندوب التونسي في واشنطن بعد مناقشة له لصفقة القرن اعتبرها الرئيس تجاوزا لحدود مهام المندوب) وفي الجيش من ناحية ثانية ( وهو ما ظهر في عزله لوزير الدفاع في قراراته الاخيرة.”.

الخلاصة:

إن الخلاف بين الرئيس والنهضة المسنودة الآن من حزبها وحزب قلب تونس والكرامة كان من البداية، ويبدو أن الرئيس تمكن من ضمان وقوف المؤسسة العسكرية والامنية الى جانبه(على الاقل حتى هذه اللحظة)ا مع ضمان تأييد قطاع معقول من المجتمع والقوى السياسية لاسيما ان صورة الرئيس ليست مشوهة في الذهن الشعبي التونسي خاصة في جوانب الفساد ، يترافق مع هذا الخلاف أن حجم المساحة المعتمة في ساحة حزب النهضة اوسع بشكل كبير من المساحة المضاءة، وتبدو بيانات الدول الغربية خاصة بانها اقرب للوم ” الناعم ” لقرارات الرئيس واقرب للدعم الضمني لحزب النهضة ،ناهيك عن المساندة القطرية والتركية وادواتهما الاعلامية، ولعل تحرش الاجهزة الامنية التونسية بقناة الجزيرة هو من باب ” فذكر إنما انت مذكر ،لست عليهم بمسيطر”

ان ما تواجههه حركة النهضة هو امتداد لظاهرة انحسار القوى الاسلامية التي كنا قد تنبأنا بها في عام 1995 وفي دراسات اخرى بعدها وحددنا فترة الانحسار بين 2020 و 2025، ولكن دستورية قرارات سعيد المتكئة على ” مؤسسة عسكرية تنمو بشكل متسارع، وتشير الى ان النخبة السياسية التونسية ستواجه معضلة لم تعرفها من قبل، وسيكون الحل او التسوية مرتبط بقدر كبير بدور القوى الاقليمية والدولية اكثر منه بدور القوى المحلية…ويبدو ان كفة الرئيس ارجح من خصومه، ولعل تهديده بان من يحاول استخدام السلاح ضد الدولة “سيتم الرد عليه بالرصاص” يخفي هواجس لديه اهم اسبابها ” الخبرة العربية الثرية خلال العشر سنوات الماضية في هذا المجال “.

* د. وليد عبد الحي أكاديمي باحث في الدراسات المستقبلية

المصدر: فيسبوك

موضوعات تهمك:

تونس: انقلاب أم إجراء استثنائي؟

قد يعجبك ايضا