تحركات جيوسياسية قلقة لاستغلال غاز شرق المتوسط

محمود زين الدين6 يناير 2023آخر تحديث :
غاز شرق المتوسط

يحفل شرق المتوسط باحتمالات إحداها أن يصبح مصْدراً مهما لإمدادات الغاز إلى أوروبا.
ما هي العقبات الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية الكبيرة التي تعرقل تحويل هذا الاحتمال إلى خيار واقعي؟
المدى الزمني المتاح قصيرا لاستغلال احتياطيات النفط والغاز الموجودة في المنطقة، ويثير أسئلة جدية حول الجدوى التجارية والاقتصادية للمشروع.
تتمحور الصعوبات حول كيفية تجاوز العقبات الجيوسياسية والتنافس الحاد بين هذه الدول القادم من تاريخ طويل من الخلافات والنزاعات السياسية والقانونية.
مع أن الاكتشافات اقتصرت على إسرائيل ومصر وقبرص إلا أنّ تأثيرها من نواحي التطوير والاستغلال والتصدير يمتد لمجمل المنطقة شاملاً تركيا واليونان.
* * *

بقلم: السر سيد أحمد
مع أن اكتشافات الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط تعود إلى سبعينات القرن الماضي إلا أنّ الأضواء عادت لتسلط على المنطقة بكثافة غير معهودة خلال فترة الإحدى عشر عاماً المنصرمة، وتحديداً بعد تتابع اكتشافات حقول الغاز ابتداءً بحقلي “تمار” و”ليفياثان” المحتلين في 2009 و2010 على التوالي، ثم “أفروديت” القبرصي في 2011، ثم “ظُهر” المصري في 2015 و”كاليبسو” القبرصي في 2018.
ومع أن هذه الاكتشافات اقتصرت على إسرائيل ومصر وقبرص إلا أنّ تأثيرها من نواحي التطوير والاستغلال، خاصة في ميدان التصدير، يمتد إلى مجمل المنطقة شاملاً تركيا واليونان.
وهو ما يجعل المنطقة تحفل باحتمالات إحداها أن تصبح مصدراً مهماً لإمدادات الغاز، خاصة إلى أوروبا، وهو ما يستدعي النظر في العقبات الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية وهي كبيرة وتعرقل تحويل هذا الاحتمال إلى خيار واقعي.
فمنطقة شرق المتوسط بكل تاريخها والنزاعات بين دولها – سواء على الحدود البحرية أو بسبب الصراعات السياسية بين مكوناتها، وكونها تتقارب جغرافياً وتتناقض من ناحية تحالفاتها ومصالحها – تظل حافلة بعوامل الاشتعال.
وتكفي الإشارة إلى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أو ذاك التركي-القبرصي-اليوناني… الأمر الذي جعل المنطقة وكأنها صورة محدثة للوضعية التي كانت عليها منطقة البلقان من قبل.
عملت مصر على تأسيس “منتدى شرق البحر المتوسط” في العام 2019، الذي تغيب عنه تركيا وسوريا ولبنان. كما يحضر التغيّر المناخي و”اتفاقية باريس” التي التزمت بإبقاء الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، والوصول إلى صافي انبعاثات صِفري عام 2050.
وهذا يجعل المدى الزمني المتاح قصيرا لاستغلال احتياطيات النفط والغاز الموجودة في المنطقة، ويثير أسئلة جدية حول الجدوى التجارية والاقتصادية للمشروع.
يأمل المخططون الاستراتيجيون بأن يسهم مبدأ “المصلحة المشتركة” و”العمل على “تبادل المنافع” في إحداث نقلة تحوِّل مناخات الصراع والنزاع إلى أرضية للتعاون، وقد اكتسبت الفكرة أهمية بسبب البعد الطاقوي فيها.
كما تأمل في أن تمد دولاً أوروبية ببعض احتياجاتها من الغاز لتسهم في تقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي ولتنويع مصادرها للطاقة. وقد زاد الغزو الروسي لأوكرانيا من إلحاحية توفير البدائل.
ليس الغزو فحسب، بل تضافر عوامل أخرى من ضمنها اتخاذ الدول الغربية مواقف متشددة حيال موسكو مثل اعتماد استراتيجية لتقليص واراداتها من الوقود الأحفوري وخاصة الغاز إلى الأسواق الأوروبية.
ثم إن الغاز، بالنظر إلى إشكالية التغيّر المناخي، يعدّ خياراً أفضل من الفحم والنفط كونه أقل تلويثاً للبيئة لجهة الانبعاثات الحرارية.
نظريا.. وعمليا
هذا على مستوى النقاش النظري والسياسي، ولكن عند تحويل هذه الإفادات إلى برامج عمل لتنفيذ مشروعات، يتضح أن هناك صعوبات جمة. تتمحور كل هذه الصعوبات حول عاملين هما:
كيفية تجاوز العقبات الجيوسياسية والتنافس الحاد بين هذه الدول القادم من خلفية تاريخ طويل من الخلافات والنزاعات السياسية والقانونية.
ويكفي بداية الإشارة إلى أن نقطة الانطلاق في أي عمل مشترك في مثل هذه البيئة البحرية يتطلب العودة إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البحار.
لكن هناك دولاً أساسية في المنطقة لم توافق على هذه الاتفاقية حتى الآن وهي: تركيا وإسرائيل وسوريا، كما أن لبنان وقبرص ينتظران مصادقة برلمانيهما على الاتفاقية.
عملت مصر على تأسيس “منتدى شرق البحر المتوسط” في العام 2019، بهدف “تحقيق أقصى فائدة ممكنة عبر التعاون المشترك”. ويشارك في المنتدى مصر، إسرائيل، قبرص واليونان، إيطاليا والأردن، وكذلك السلطة الفلسطينية، بينما تغيب تركيا، وسوريا ولبنان.
كما أن هناك عامل الضغط المتمثل بالتغيّر المناخي و”اتفاقية باريس” التي التزمت بإبقاء الاحترار العالمي على معدل 1.5 درجة مئوية، وهو ما يفترض خفض الانبعاثات بنسبة 45 في المئة بحلول عام 2030 والوصول إلى صافي انبعاثات صِفري بحلول عام 2050.
وهذا يجعل المدى الزمني المتاح حوالي 30 عاماً لاستغلال أي احتياطيات من النفط أو الغاز الموجودة في المنطقة. وهذا يثير أسئلة جدية بالنسبة لأي دراسة جدوى في مجالات الطلب والأسعار في هذا المدى الزمني المحدود، ومعها الشك حول الجدوى التجارية والاقتصادية للمشروع.
وتشير إحدى دراسات الجدوى التي أسهم في تمويلها الاتحاد الأوروبي إلى فكرة إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من إسرائيل وقبرص حتى اليونان وبكلفة تقدر بنحو 5.4 مليار دولار ثم 6.4 مليارات دولار أخرى لتوصيل الخط إلى إيطاليا.
الخط الذي سيكون الأطول عالمياً على امتداد 1900 كيلومتر سوف ينقل 9 ترليون متر مكعب إلى 12 ترليون متر في المرحلة الأولى، ترتفع فيما بعد إلى 20 ترليون متر، وهو ما أعاد طرح الأسئلة الأخرى الأكثر حيوية عن توفر الزبائن القادرين على الشراء بأسعار تجعل لهذا الخط جدوى اقتصادية.
وتشير الحسابات الأولية إلى أن سعر البيع ينبغي أن يكون في حدود ثماني دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية كي يكون مجزياً، بينما السعر الذي كان سائداً لا يصل إلى نصف ذلك الرقم.
الخطوة الأمريكية
على أن البعد الجيوسياسي كان له القدح المعلى في الدفع بالمشروع خاصة في وجه الدعم الأمريكي له على أيام إدارة ترمب، لكنه تلقى ضربة مطلع هذا العام من إدارة بايدن التي نشرت كتابا أبيض سحبت فيها دعمها له انطلاقاََ مما قالت إنه التزام بسياساتها في دعم الطاقة النظيفة.
وبالتالي عدم تشجيع أي مشروعات تستند إلى الوقود الاحفوري بأي شكل. كما شملت تلك الورقة الكثير من النقاط حول الجدوى التجارية من المشروع.
ورغم ذلك، عملت واشنطن على تشجيع بعض “مبادرات التكامل الإقليمي” مثل الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص وإسرائيل وبين مصر وكريت، كما بذلت مساعيها للتوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل يمكن البلدين من استغلال احتياطاتهما من الغاز في المناطق الحدودية غير المحددة.
وإذا كان القرار الأمريكي بسحب الموافقة على خط الأنابيب قد أسعد تركيا التي ترى أنه يدعم حظوظ التصدير عبر أراضيها، إلا أنّ المستفيد الأكبر منه هو مصر، إذ أعاد التركيز عليها وعلى وجود بنية أساسية لديها للتصدير واحتياطيات معقولة قابلة للزيادة والتطوير.
وساعد على ذلك تبنيها لقانون بدعم من صندوق النقد الدولي يشجع على الاستثمار ومن ثم تطوير قطاع الهيدروكربونات والسماح للقطاع الخاص بالمشاركة في تلك الأنشطة.
وقد وصلت صادرات مصر من الغاز إلى رقم قياسي بالنسبة لها وبالنسبة للإقليم وهو 6.9 مليون طن أو 9.7 مليار متر مكعب، يذهب ثلثها إلى أوروبا والباقي إلى الدول الآسيوية.
ومع التطور المستمر في القدرات الإنتاجية والتصديرية، يُتوقع أن يبلغ الإنتاج 12.5 مليون طن، أو 17.5 مليار متر مكعب، تمثل نحو 5 في المئة من الواردات الأوروبية من الغاز. لكن تصاعد الاستهلاك المحلي المصري بسبب النشاط الاقتصادي والقاعدة السكانية الواسعة يُخفض من حجم التصدير.
ولهذا يتضاءل وباستمرار خيار أن يلعب غاز المتوسط دوراً في تلبية الاحتياجات الأوروبية سواء بتوفير الإمدادات المطلوبة أو أن يكون بديلاً عن الغاز الروسي، رغم الإلحاح على ذلك بسبب أن أوروبا قد ألزمت نفسها بأمرين: تقليل الانبعاثات الحرارية التزاماً باتفاقية باريس التي يُفترض أن تدخل حيز التنفيذ في 2050، وكذلك تقليص الاعتماد على الواردات الروسية من النفط والغاز.
فأوروبا تستهلك 392 مليار متر مكعب في العام، منها 339 مليار مستوردة وتوفر روسيا حوالي 40 في المئة منها. الخيارات الأخرى التي بدأت أوروبا تبحث فيها مثل الغاز القطري أو الجزائري يمكن أن تُسهم في تلبية جزء من الاحتياجات..

*السر سيد أحمد كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط

المصدر: السفير العربي

موضوعات تهمك:

أوروبا القلقة تتألم بشدة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة