الذكرى الثلاثون لانهيار الاتحاد السوفييتي

انهار النظام الشيوعي في روسيا وبقيت التجربة الروسية في ثوابتها التاريخية العميقة.

هل كانت هزيمة الاتحاد السوفياتي اقتصادية استراتيجبة محضة، أم أنها كانت في الآن نفسه فكرية وإيديولوجية؟

انهيار الأيديولوجيا الاشتراكية السوفياتية ليس نهاية الماركسية كفلسفة طوبائية للعدالة والتحرر الاجتماعي ولا نهاية المشروع الاستراتيجي والسياسي الروسي.

شهد المشروع الروسي مؤخرا طفرة وإن تغيرت خلفياتها النظرية (أرثوذوكسية أوراسية بعهد بوتين) لكنها تنطلق من منطلقات لينين في تأسيس الاتحاد السوفياتي: مركزية الدولة وقوة الجهاز التعبوي السلطوي بمركز القرار وطموح إلى نفوذ إقليمي بالمجال الحيوي التاريخي للإمبراطورية الروسية.

* * *

بقلم: السيد ولد أباه

قبل ثلاثين سنة بالضبط أعلنت نهاية الإمبراطورية الشيوعية السوفياتية اثر استقالة آخر رؤسائها ميخائيل غورباتشوف. في بداية شهر ديسمبر 1991، تم انفصال جمهوريتي أوكرانيا وروسيا البيضاء عن الفيدرالية الحمراء بعد أن انفصل عدد من البلدان الأخرى الأقل شأناً. وفي 26 من الشهر نفسه، كان الإعلان المدوي بنهاية الاتحاد السوفييتي وعودة الدولة الروسية التقليدية.
بالنسبة للذين عاشوا بقرب هذه التحولات من جيلي، لم يكن الحدث عادياً ولا متوقعاً. لقد كان الانطباع سائداً حتى بعد انهيار جدار برلين وتحرر دول أوروبا الشرقية من السيطرة السوفييتية أن النظام الشيوعي باقٍ في موسكو، وأن جهود الإصلاح والتجديد التي بدأها رجل الـ«بيريسترويكا» منذ وصوله للسلطة عام 1985 قد بدأت تؤتي أكلها.
لقد اعتبر غورباتشوف أن مصلحة بلاده تكمن في الدخول في المنظومة الأوروبية الجديدة والاندماج النشط في النظام الدولي وفق مقاربة تفاوضية وتوافقية مع الولايات المتحدة تخفف على موسكو أعباء سباق التسلح. كما إن غورباتشوف آمن بضرورة إدخال تغييرات جوهرية على طبيعة النظام الشيوعي في مقوماته الأيديولوجية والتنظيمية، مع الاحتفاظ بسماته المركزية الأساسية.
في مذكراته الصادرة عام 1997 التي تجاوزت 900 صفحة، يدعي غورباتشوف أن تفكك الاتحاد السوفييتي لم يكن حتمياً، ولا نتيجة تلقائية لسياساته الإصلاحية، بل إنه يحمل القيادات السياسية الروسية المحلية مسؤولية الفشل في إعادة صياغة وتعديل ميثاق الاتحاد الفيدرالي مع الجمهوريات التي كانت تشكل الدولة السوفييتية.
لقد اعتبر غورباتشوف أنه بلور رؤية جديدة للأيديولوجيا الماركسية تستوعب قيم الحرية والتنافسية وحقوق الإنسان من دون أن تتخلى عن ثوابت الاشتراكية «العلمية» ومركزية الحزب الناظم للحياة السياسية.
وبطبيعة الأمر سيظل السؤال مطروحاً حول الخلفيات الحقيقية لانهيار المنظومة الشيوعية في مركزها السوفييتي وامتداداتها الواسعة في أوروبا الشرقية.
فهل كانت التجربة السوفييتية نفسها (النسخة اللينينية الستالينية من الماركسية)، نسخة مشوهة وزائفة من الماركسية، بما قامت عليه من تحكم الدولة الشمولية بدل انحسار الدولة وتفكيكها كلياً، كما كان يتصور ماركس نفسه، ومن حرب مفتوحة على العقلانية الرأسمالية التي كان ماركس يعتبر أنها المدخل الطبيعي إلى الاشتراكية والمحطة التمهيدية لها؟
يذهب العديد من المفكرين الماركسيين إلى هذا الرأي، من توني نغري والان باديو إلى سمير أمين، في حين يرى جاك اتالي في كتابه الفريد عن ماركس أن الاشتراكية السوفياتية لم تعرف من فيلسوف الصراع الطبقي سوى ظله الباهت لا تفكيره الحي وحسه النظري المتوقد.
لقد كان لينين مؤسس الدولة السوفياتية واعياً بأن بناء تجربة اشتراكية في روسيا، التي كانت لا تزال أساساً مجتمعاً زراعياً متخلفاً عن الأمم الصناعية الأوروبية يقتضي الاستناد إلى مركزية حزبية قوية وبناء ماكينة عسكرية صلبة لحماية النموذج الهش، انسجاماً مع نظريته في «التطور المتكافئ» للرأسمالية المفضي إلى الظاهرة الإمبريالية التي لم يكن ماركس قد انتبه لها.
ولقد استطاع الاتحاد السوفياتي بالفعل بناء محور إيديولوجي واستراتيجي واسع امتد إلى نصف العالم، بيد أن تكاليف المواجهة القطبية أدت به في نهاية المطاف إلى هزيمة ماحقة أمام المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
هل كانت هذه الهزيمة اقتصادية استراتيجبة محضة، أم أنها كانت في الآن نفسه فكرية وإيديولوجية؟ لا يزال السؤال مطروحاً بعد ثلاثين سنة من انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك منظومته الاستراتيجية.
صحيح أن الأحزاب الشيوعية الحاكمة انهارت بالكامل، كما أن سحر الأيديولوجيا الماركسية نفسه تراجع كثيراً، إلى حد شيوع الحديث عن نهاية الأيديولوجيا وأفول «العقيدة الماركسية» مع «نهاية التاريخ» التي تعني انتصار الفلسفة الوحيدة التي تناسب تطور البشرية التقني والاجتماعية (الليبرالية الفردية والديمقراطية التعددية) كما طرح فوكوياما وآخرون.
بيد أن انهيار الأيديولوجيا الاشتراكية السوفياتية لا يعني بالضرورة نهاية الماركسية من حيث هي فلسفة طوبائية للعدالة والتحرر الاجتماعي ولا نهاية المشروع الاستراتيجي والسياسي الروسي، الذي شهد خلال السنوات العشر الأخيرة طفرة جديدة!
وإن تغيرت خلفياتها النظرية (أصبحت الأرثوذوكسية الأوروآسيوية في عهد بوتين) فإنها تنطلق من نفس المصادرات التي انطلق منها لينين في تأسيسه للاتحاد السوفييتي أي مركزية الدولة وقوة الجهاز التعبوي السلطوي في مركز القرار والطموح إلى النفوذ الإقليمي في المجال الحيوي التاريخي للإمبراطورية الروسية. بعبارة أخرى، انهار النظام الشيوعي في روسيا وبقيت التجربة الروسية في ثوابتها التاريخية العميقة.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني
المصدر| الاتحاد أبوظبي

موضوعات تهمك:

الركود العظيم.. هل بدأت قوة الصين بالأفول؟

قد يعجبك ايضا