الإمام محمد عبده : ” لا وطن إلا مع الحرية “

الإمام محمد عبده : ” لا وطن إلا مع الحرية ”

بقلم: مستشار التحرير… أحمد عزت سليم

هناك العديد من الهموم والتحديات الراهنة التي تواجهها الثقافة العربية ، وأهمها العديد من النخب التى لم تخرج من الهوية الصلبة للمجتمع العربى ولم تعرف حقيقة الانتماء ولم ترتبط بالعمق التاريخى المكون للأمة والكامن فى ذاتها وافتقدت الضمير والروح الطليعية للإرادة القومية كروح مقاومة للظلم والاستبداد وكمقدمة للتقدم والتغير ، نخب اعتلت القيادة التى خلقتها الأوضاع الراهنة وتميزت بالجهالة وعدم القدرة على التعمق فى تحليل وفهم الواقع ، واستغلت قدراتها فى دعم أغنياء البترول واغنياء السلطة على حساب شعوبها ، نخب دفعت بها ومولها هؤلاء الأغنياء و القوى الأجنبية فإذا بها تقود بلدانها وهى متبنية سلوكيات ونماذج أجنبية لتسييدها فى مجتمعاتها وبالتالى تتسيد شعوبها مستهدفة تخريب وتفتيت المقومات الثقافية الأصيلة لشعوبها وقطع تواصلها واستمراريتها ودفعها للتخلف وللعزلة والانفصال والتشويه وإفقادها كرامة الإنسان العربى لصالح هؤلاء الأغنياء وإغلاق جميع ابواب المجتمع فى وجه الحرية والعلم والتطور بل وصار الوطن على نحو ما يقول المناضل الراحل عبد الله النديم : ــ ” كانت البلاد على سعة أطرافها كليمان أعد للمذنبين …” وضاع الوطن وكما يقول الشيخ الإمام محمد عبده : ـــ ” لا وطن إلا مع الحرية ” بل أصبحت تأخذ شكلا جديدا للاستشراق الذى يمكن تسميته بـ “الاستشراق المحلى” كأداة محلية للغزو الفكرى والثقافى لإعادة تشكيل الوطن بأفراده ومؤسساته نحو ربطه بالنموذج الغربى وتحطيم كل ارتباط واستمرارية بمكنونات القيم العربية النضالية وقطع الصلة معها وإخضاعها للإرادة الأجنبية  بل وفى أغلب الأحوال يتمركز ويتمحور الوعى الثقافى لهذه النخب حول الحاكم/الخليفة/ الملهم فيكثرالتضليل والتهليل والطبل والتزمير وشراء الضمير وبيعه فى مختلف المحافل على حساب الوطن والتاريخ والولاء لهما ، وهكذا يشهد الواقع العربى اليوم كثيرا من التصادمات التدميرية بين المثقفين بما يشكلون من جماعات متباينة وأفراد وعناصر وأقليات ونخب قد تحكمت فيها الجغرافيا العرقية والإيديولوجيا العنصرية والتاريخية الماضوية وبما يهدد الوجود الجماعى للوطن الذى ينصهر فيه كل أفراده من أجل الحفاظ على بقائهم فى مواجهة الهجمات الاستعمارية والتى تتخذ أشكالا متعددة وتحت مسميات مختلفة لتشعل الصراع بينهم وتنال وجودهم وتأخذه نحو الخراب والتحلل والفناء ووجعله مكانا لتجارب أسلحة الدمار والصناعات المدمرة للبشر وللبيئة وتحقيق الأهداف الاستعمارية فى التفكيك والتجزئة والتقسيم ، ومن ثم تكون مقدمة وداعيا للتدخل العسكرى ــ وهذه ما نراه الآن ــ  للاستيلاء على مقدراتهم الاستراتيجية والقضاء على مقوماتهم القومية التى توحدهم من أجل البقاء ، فيما تكشف هذه التصادمات عن توافقا يصل إلى حد التحالف بين عناصرها وبين الغرب الاستعمارى الذى يهدد بلادها ويحول الكثير من الأفعال التى تبدو ثقافية فى شكلانياتها إلى نوع من الأفعال التدميرية الثقافية المستهدفة بل وضمن المخططات الغربية الاستعمارية للسيطرة والسيادة على الوطن وتحت ما يسمى بالقانون الدولى وفى إطار خضوع الأمم المتحدة الدائم  للهيمنة الاستعمارية يجرى تقويض الوحدة الجغرافية والتاريخية بموافقة الكثير من النخب الثقافية المتصادمة والأقليات المتطاحنة مع بعضها البعض ممالأة للسلطان وإعلاءً لمصالحهم وللأطماع الاستعمارية تأكيدا لعمالتهم للغرب وارتباطا به وسعيا للاستمرار فى السيطرة على الحكم بمساعدته  والاستحواذ الدائم على السلطة وفى سبيل ذلك تم تسييد سياسات التنازلات ابتداء من التنازل عن السيادة وإلى التنازل عن المقدرات حتى التنازل عن الجغرافيا والتنازل عن حقوق التاريخ والقيم الأصيلة لشعوبها   ـ كما يتضح فى الراهن العربى فى العراق وسوريا وليبا وفى  الحالة المصرية فى عهد مبارك كما فى نموذج الاستثمارات الأجنبية وبيع القطاع العام والأراضى للأجانب والحالة الثقافية المصرية والتى تمثلت فى استلاب الوعى وتتغييب وتشويه قيم المقاومة وترسيخ الاستسلام للأمر الواقع والخضوع للمعلب الثقافى الغربى المستورد الجاهز الذى تقدمه النخب الحاكمة ـ  وتصير الثقافة تعبيرا عن ماهية التراكم الذى يشهده الواقع الثقافى المنهك والذى تحول فيه الوطن إلى مجرد رهان متنازع عليه بين الحضور والغياب والتعمية وردود الأفعال ليصير الواقع الثقافى  تعبيرا مأساويا عن التفتت والتشرذم والانكفاء والانفصام والانفصال والتعدد والنفى  والكراهية والمصادرة والحجب والرقابة أمام تحولات وتغيرات الواقع الاجتماعى والواقع العالمى أو التمترس حول سلطة الحكم وإغراءتها المادية وسلطة الغرب بكونه فكرا واستعمارا ، وأصبحت الحركة الثقافية ودينامياتها تعيش رهنات الماضى وتعجز عن تكوين روح نقدية حقيقية فى مواجهة الفناء والرجعية والتكرارية الماضوية والتطرف الدينى والتشدد الإرهابى وتبنى النماذج الغربية والخضوع لها ، كما تعجز عن مواكبة التطور والتغلب على الواقع وخلق واقع جديد ينهض بالأمة ويخرجها من أزماتها وينقذها من الصراع الثقافى التدميرى كما يعيشه الكثير اعتمادا على الفكر القبائلى ( وظهر ذلك جليا فى التصادمات القبائلية والعشائرية والقرائبية  فى الكثير من الدول العربية  وفى مصر كنتاج لفشل هذه النخب ــ رغم ادعاءات بعضها بالتقدمية والوحدوية ــ  فى صهر الروح القبائلية داخل الوطن الواحد ) ، واعتمادا على الفكر التكفيرى يصف أحدهم جامعة القاهرة بأنها قامت من أجل هدم الشريعة الإسلامية ، ورغم وجود كلية دار العلوم التى قدمت للمجتمع العربى والإسلامى والعالمى  الآلاف من معلمى اللغة العربية الذين حافظوا على لغة القرآن الكريم فى شتى أنحاء العالم …

موضوعات تهمك:

“نيويورك”.. المقصد الرئيسي لعشاق الحرية

الحرية لن تكون في الإلتزام بالتقاليد البالية