استئناف مفاوضات فيينا: جديدها واحتمالاتها

إدارة بايدن “بلعت لسانها” مؤخرا فلم تعد تذكر القدس الشرقية كمكان لإعادة افتتاح القنصلية الأميركية بعد اعتراضات إسرائيلية وأصدائها ترددت في واشنطن.

لغة جديدة تنم عن قبول إسرائيل لضمانات يبدو أن إدارة بايدن قدمتها أو استجابة لإلحاح الإدارة العازمة على مواصلة المفاوضات بصيغة مباشرة متوقعة مع إيران.

أميركا مع التفاوض المباشر منذ البداية وإيران مانعت. فلماذا يتراجع الممانع ويعود لهذه الصيغة عندما يعود وبعد تدبير الإخراج للعودة بعد رفضها بالجولات الماضية؟

ربما وصلت المفاوضات طريقا مسدودا لأن التنازلات المطلوبة من الجانبين غير متوفرة لذا تراجعت إيران وعادت إلى للتفاوض المباشر لئلا تتهم بأنها مسؤولة عن انهيار العملية!

هل نضجت تسوية جزئية كـ”تجميد متبادل” للبرنامج النووي والعقوبات وبالتالي آن الآون للذهاب إلى الطاولة “والعمل بما تحدث عنه الوزير العراقي إذا ما أرادت إيران بلوغ اتفاق ما”؟

هل هو مجرد تكتيك إيراني لتغيير قواعد اللعبة بما يفسح مطّ فترة التفاوض وشراء الوقت مراهنةً على أن إدارة بايدن لن تتخلى عن الخيار الدبلوماسي طالما بقي متاحًا بعد الانتقال للتفاوض المباشر؟

* * *

تزامن تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أول أمس الخميس، حول ضرورة التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران في فيينا، مع إعلان الأوروبيين استئناف المفاوضات الإثنين المقبل في 27 ديسمبر، بدا أكثر من صدفة، بل بدا وكأنه كلام بالنيابة، خصوصاً وأن الوزير أدلى بها من طهران، ومن دون اعتراض إيراني.
“فهو بكل تأكيد ما كان ليفعل ذلك، لو لم تكن لديه قناعة تامة بأن الطرفين على استعداد لمثل هذه الخطوة”، بحسب مدير المبادرة العراقية في “مجلس أتلنتيك” للدراسات بواشنطن، عباس كاظم.وبذلك، جاء تصريحه “ليعكس هذه الرغبة” المشتركة، كما قال.
تواكب ذلك مع إشارات يرى المراقبون أنها تندرج في هذا السياق، مثل مساعدة واشنطن في نقل سفير إيران المتوفى في صنعاء إلى طهران، وزيارة جيك سوليفان مستشار جو بايدن إلى إسرائيل “للتداول بشأن المفاوضات وتطوراتها”، والتي يبدو أن تطميناته كانت كافية إلى حدّ أنها حملت وزير الخارجية لبيد يائير إلى القول إن “إسرائيل تدعم أي صفقة مع إيران إذا كانت جيدة”.
وهذه أيضاً لغة جديدة تنم عن قبول إسرائيل للضمانات التي يبدو أن الإدارة قدمتها، أو أنها استجابة لإلحاح الإدارة العازمة على مواصلة المفاوضات بصيغتها المباشرة المتوقعة مع إيران. وكأن الاعتراض الإسرائيلي قد تمّ تجميده على الأقل.
ترافق ذلك مع كلام بأن سوليفان طالب الفلسطينيين خلال لقائه الرئيس محمود عباس، بالانتظار، خصوصاً في موضوع إعادة فتح القنصلية الأميركية إلى وقت لاحق، بعد الانتهاء من النووي الإيراني.
علماً بأن الإدارة “بلعت لسانها” في الأيام الأخيرة، بحيث لم تعد تذكر القدس الشرقية كمكان لإعادة هذا الافتتاح، بعد الاعتراضات الإسرائيلية وأصدائها التي ترددت في واشنطن.
المعروف أن واشنطن مع التفاوض المباشر منذ البداية وطهران مانعت. إذاً، لماذا يتراجع الممانع ويعود إلى هذه الصيغة – عندما يعود وبعد تدبير الإخراج للعودة – بعد رفضه لها طوال الجولات الماضية؟
أكثر من سيناريو
فقد تكون هذه النقلة مجرد تكتيك تتوسله طهران لتغيير قواعد اللعبة وبما يفسح في المجال مطّ فترة التفاوض وشراء الوقت قدر الإمكان، على قاعدة مراهنتها على أن إدارة بايدن ليست بوارد التخلي عن الخيار الدبلوماسي قريباً طالما بقي متاحاً خاصة بعد الانتقال إلى صيغة المفاوضات المباشرة. ومفاوضات اتفاق 2015 بالوقت الذي استغرقته تعزز، مثل هذه المراهنة.
السيناريو الثاني، أن طبخة تسوية جزئية من نوع “تجميد متبادل” مثلا للبرنامج النووي والعقوبات، قد نضجت وبالتالي فقد آن الآون للذهاب إلى الطاولة “والعمل بما تحدث عنه الوزير العراقي إذا ما أرادت إيران بلوغ اتفاق ما”، تقول برباره سلوفين الخبيرة في الشأن الإيراني. وإذا كان عامل الوقت قد صار ضاغطاً وبحدود “عدة أسابيع” فقط، كما يحذر المسؤولون الأميركيون، عندئذ بات من الضاغط أيضا وضع المفاوضات على السكة التي تؤدي إلى خواتيمها.
الاحتمال أو السيناريو الثالث، أن المفاوضات وصلت فعلا إلى الطريق المسدود، لأن التنازلات المطلوبة من الجانبين غير متوفرة. ولهذا تراجعت إيران وعادت إلى المفاوضات المباشرة حتى لا تتهم في آخر المطاف بأنها كانت مسؤولة عن انهيار العملية لأنها لم تكن جادة فيها أصلاً، وإلا لكانت قد اختارت التفاوض المباشر كما فعلت في المرة السابقة.
وكان من اللافت في الآونة الأخيرة وبخاصة بعد نهاية الجولة الثامنة، أن الإدارة تشددت في خطابها وشروطها حيث عادت إلى التركيز ليس فقط على البرنامج النووي، بل أيضا على “الدور الإيراني المخرب للاستقرار في المنطقة” أكثر مما كانت تؤكد عليه في الفترة السابقة.
لكن ذلك قد يكون من لوازم الغطاء لعودة عاجلة وموعودة لمّح إليها المندوب الروسي ميكاييل أوليانوف عندما أشار ضمنا إلى أهمية استئناف المفاوضات “في فترة أعياد الميلاد ونهاية السنة التي لا تحصل فيها عادة” مثل هذه النشاطات. وكأنه يتحدث عن عجلة مبرّرة وفارقة.

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

 جولات فيينا ومحنة روبرت مالي

قد يعجبك ايضا