يا بنات الحور سيبوا القمر يدور

بقلم :مستشار التحرير …..  أحمد عزت سليم

تظل علاقة الإنسان العربي بتراثه علاقة عضوية حيث أن هويته القومية برمتها تتغذى من التراث ، لارتباطه في وعيه بأبعاد حضارية وتاريخية ودينية وسياسية على حد سواء . فتعلقه بما يختزنه ماضيه من إنجازات عملية وفلسفية وأدبية أشد من تعلق أي إنسان آخر بتراثه شرقاً وغرباً .‏

    إن الإنسان العربي ينتمي انتماء كليًّا إلى تراثه ، ويتماهى فيه معنويًّا دون تحفّظٍ ، حيث يشعر بأن تعلّقه به هو امتدادٌ لتعلّقه بتصوّره للدنيا والكون ، وحتّى لِــما بعد الحياة ، فيتخذ التراث بُعْدا روحانيا ونفسيا ممّا يضعه خارج دائرة التفكير ، وداخل دائرة التقليد، فالمساس بالتراث غير وارد عنده ، وكذلك مساءلته .. إذ هذا التراث قيمة عليا عنده يتعامل معها بشكل مثالي؛ لكن هذه المثالية تبدأ بتجميد هذا التراث ( 4 ) وفي هذا المضمار يقول الدكتور فريدريك معتوق في كتابه المشار إليه أعلاه : ــ “  فعلاقة العربي بتراثه .. علاقة عضوية حيث أن هويته القومية برمّتها تتغذى من التراث ، لارتباطه في وعيه بأبعاد حضارية وتاريخية ودينية وسياسية على حد سواء ، فتعلقه بما يختزنه ماضيه من انجازات علمية ، وفلسفية ، وفكرية ، وأدبية أشد من تعلق أي إنسان آخر بتراثه شرقا وغربا .. من الممكن أن تبتر الإنسان الإفريقي ، أو الأسيوي عن تراثه ، دون أن يموت حضاريا ، أما العربي إنْ قطعته عن تراثه ، حكمت عليه بالموت ؛ ذلك أن للتراث عند الإنسان العربي مدلولا دينيا ، اجتماعيا وعصبيا … حياته المعاصرة مبنية على هذه المعادلة الموروثة والمعيشة في آن .

    ويذهب الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه ” نحن والتراث ” إلى أبعد من ذلك حيث يؤكد على أن الإنسان العربي بما في ذلك المثقف مؤطرٌ بتراثه الذي يحتويه احتواء كليا يُفقده استقلاليته ، وحريته ، فهذا الإنسان تلقّى ولا يزال يتلقّى تراثه منذ ميلاده ككلمات ، ومفاهيم ، كلغة وتفكير، كحكايات وخرافات وخيال، كطريقة في التعامل مع الأشياء ، كأسلوب في التفكير ، كمعارف وحقائق .. كل ذلك بعيدا عن الروح النقدية ، فهو عندما يفكر ، يفكر بواسطة هذا التراث ومن خلاله ، إذْ يستمدّ منه رؤاه واستشرافاته ممّا يجعل التفكير في هذه الحالة لا يعدو أن يكون ” تذكّرًا .. ولذلك فالجابري يرى حتى القارئ العربي عندما يقرأ نصّا من نصوص تراثه يقرأه متذكرًا ، لا مكتشفًا ، ولا مستفهمًا .( 5 )

    ويمثل تقديس التراث والعيش الماضوى دينامية لا تؤدى إلى الحركة والتغيير والتطور كما أن الانقطاع يعنى فقدان الهوية القومية والحضارية  وإلغاء الماضى لصالح الحاضر  ،  وتتمثل أهمية ديناميات التراث فى تشكيل بنى الوعى والبنى اللاواعية وفى الحضور الحياتى وبما يعبرعن نسق تاريخى مؤثر فى فاعليات الإنسان ويشكل قدرا من بنيته العقلية والنفسية وعاملا من ضمن عوامل تشكيل الإطار الدلالى والمرجعى للذات والفرد والمجتمع وبما يوثر ويؤسس للفاعليات الإنسانية فى الواقع الاجتماعى  ، تمثل هذه العملية ضرورة وجودية لبقاء الإنسان ومن خلال عمليات انتقال التراث عبر الأجيال عن طريق التنشئة الاجتماعية ومما يشكل موروثا حيا وميراثا اجتماعيا يكون الأساس لحضارة الفرد والجماعة والمجتمع والتى ترجع لسريان جهود الأجيال السابقة وتناقلها عبر الزمن والأجيال مع ما قد يلحق بها من التحوير والتعديل ومشكلة التاريخ الحى للمجتمع وتسهم بهذه الخصوصية التى تمييزها فى استمرارية وحدة المجتمع ومحركا للمقاومة محاولات تهديد المجتمع وتفكيكه ، وبالتالى يتجاوز التراث الحى النصوص المقروءة والمكتوبة إلى التواصل مع الواقع ونحو المستقبل .        ، كما يرى د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري أن معنى التراث الوارد فى القرآن الكريم يحمل دلالة تختلف عن المفهوم المعاصر للتراث فقد توسع هذا المفهوم  ليشمل كل ما خلفه لنا الأجداد من محسوسات ومعنويات   )6 )  .

   وبالتالى يتمتع التراث بالكثير من الاحترام والتقدير الشعبى ، ولعبت قوة العادات والتقاليد المصرية القديمة دورا مؤثرا فى تشكيل العقلية المصرية وآليات فاعلياتها فظلت كعادات وتقاليد موروثة مصدرا للسلوكيات الشخصية والجماعية فلم يقلع الشعب المصرى فى كل عصوره التاريخية عن التضرع للإله حور ليترك القمر ، بالرغم من وجود الديانتين السماويتين :  ــــ المسيحية والإسلام فى مصر ، ولم تكن هذه الظاهرة مقصورة على أبناء الريف ، وإنما هى ظاهرة عامة يشترك فيها أبناء مصر فى الريف والحضر ، فينطلق الجميع إلى الفضاء أو يصعدون فوق أسطح البيوت ويتوجهون بأبصارهم إلى القمر وقد بدا لهم شاحبا مخنوقا … وكلما إزدادت رقعة الظلال على وجه القمر .. إزداد حماسهم وارتفع ضجيجهم وهم ينشدون :ــــ

يا بنات الحور سيبوا القمر يدور

يا رب إحنا عبيدك يا رب

والأمر بإيدك يا رب

    ويظل أطفال مصر على إيقاعهم إلى أن تستجيب بنات الحور .. فتنحسر الظلال ويزول الشحوب ويتحرر القمر …. ويعود إلى بهائه وجماله … ويعود الصبية إلى بيوتهم وقد غمر السعادة نفوسهم .  وكما تفسر الدكتورة فاطمة حسين المصرى فى دراستها عن الشخصية المصرية من خلال الفلكلور المصرى ( 7 ) : ــــ بأن ظاهرة الدعاء للقمر لا تزال قائمة فى عصرنا الحالى حيث تغلب الديانة الإسلامية ، كل ما هنالك أن المصريين يصبغون هذه العادة الفرعونية بصبغة إسلامية فينشدون : ــــ

يا بنات حور الجنة

ما تسيبوا القمر يتهنى 

   وجاءت الصياغة الجديدة تمشيا مع ما ورد فى القرآن الكريم عن ذكر حور الجنة فقال العامة والدهماء ــ على حد تعبيرهم ــ فى مصر أن بنات الحور هن حور الجنة … أما الباحثة فتفسر قولهم هذا بأن الحور هم جنود الإله ( حور ) عند قدماء المصريين ، ولتكشف هذه الظاهرة عن قوة العادات والتقاليد القديمة وأثرها فى تكوين الشخصية المصرية ، وبقاء الخرافات والأساطير مصدرا للسلوك ومنبعا لكثير من التصرفات التى تمارس ولايدرك أصلها ، خصوصا فى مراسم الموت والدفن وما يصاحبها من نواح وعويل ولطم واحتفالات ذكرى الأربعين  .

 

المراجع : ــــ

 

4 ــ أ.فردريك معتوق /  مدخل إلى سوسيولوجيا التراث. ط1 2004 دار الحداثة . بيروت .

5 ــ د.محمد عابد الجابري / نحن والتراث.ص: 22 المركز الثقافي العربي / بيروت .الطبعة السادسة1993 .

6 ــ عبدالعزيز بن عثمان التويجري ، التراث والهُوية ، منشورات منظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة  إيسيسكو، الرباط ــ المغرب ، 2011 .

7ـــ  دفاطمة حسين المصري، الشخصية المصرية من خلال دراسة الفولكلور المصري ، القاهرة: الهيئة المصريةالعامة للكتاب، 1984.

موضوعات تهمك:

أسماء المرأة المصرية أمل ودلع وطموح ومقاومة

“يا بنت الريف” قصيدة بالعامية المصرية

 

قد يعجبك ايضا