هل نجح “شولتس” في نزع فتيل المواجهة العسكرية

أزمة أوكرانيا يمكن أن تتحول الى إرث امريكي بائس يستنزف القارة الاوروبية دون جدوى سياسية وأمنية.

لم تنته الأزمة فالملف الاخير والأكثر تعقيدا هو ملف مفاوضات الاستقرار الاستراتيجي بين أمريكا وروسيا.

الأزمة الراهنة ليست مع ألمانيا بل مع أمريكا ومخاوفها من التقارب الصيني الروسي الذي يمكن أن يمتد الى المانيا والاتحاد الاوروبي.

ممانعة ألمانية كبيرة للتصعيد والعقوبات الأمريكية اذ قادت المستشارة الألمانية السابقة ميركل ووزير خارجيتها هايكو ماس الازمة في تلك الفترة.

يصعب تصور هجوم روسي في الموعد الذي حددته الاستخبارات الأمريكية غير أن روسيا استثمرت الحدث الإعلامي لأقصى حد وتحولت لمحور اهتمام دول الناتو.

رغم مجئ شولتس الذي راهنت عليه أمريكا لاتخاذ موقف أكثر تشددا فقد التزمت ألمانيا بمصالحها الاقتصادية والجيوسياسة مع روسيا ولم تندفع بمسار التصعيد الامريكي.

* * *

بقلم: حازم عياد

بحسب التسريبات التي قدمتها وكالة بلومبرغ الامريكية كان يوم 15 فبراير هو اليوم الموعود للهجوم الروسي الشامل على اوكرانيا؛ الأمر الذي احتفت به الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زخاروف بالقول: ساعتان فقط تفصلنا عن تحول “بلومبرغ” إلى “يقطينة؛” مذكرة بزوال السحر عن بطلة القصة الشهيرة ساندريلا.
من الصعب تصور هجوم روسي في الموعد الذي حددته الأجهزة الاستخبارية الأمريكية؛ غير أن روسيا استثمرت الحدث الاعلامي لأقصى حد وتحولت إلى محور اهتمام دول حلف الناتو خصوصا تلك المنتمية الى الإتحاد الاوروبي.
فالوفود والزيارات لم تنقطع عن موسكو طوال الأسابيع الماضية بحثا عن سندريلا؛ شملت روؤساء هيئة الاركان و وزراء الدفاع ووزراء الخارجية و رؤساء الدول أبرزهم الفرنسي أمانويل ماكرون وآخرهم المستشار الألماني اولاف شولتس.
التحذيرات الامريكية من هجوم روسي لم تتوقف على مدى الشهرين الفائتين وانخرط فيها المسؤولون الامريكيون بدءا بوزير الخارجية وليس انتهاء بالرئيس بايدن ومستشاره للأمن القومي جيك سوليفان.
فأمريكا كانت معنية بحشد جهود الحلفاء خصوصاً في الاتحاد الاوروبي خلف العقوبات الامريكية الرادعة التي أشار اليها وزير الخارجية الامريكي بلينكن في قمة وزراء دفاع الناتو في (ريغا) عاصمة لاتفيا نهاية نوفمبر الماضي.
قمة تزامنت مع التوتر على الحدود البيلاروسية البولندية اذ استثمرت الإدارة الأمريكية في أزمة احتشاد اللاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان على الحدود البولندية أملا بالوصول إلى الاتحاد الاوروبي.
الممانعة الالمانية للتصعيد و للعقوبات الأمريكية كانت كبيرة؛ اذ قادت المستشارة الألمانية السابقة ميركل ووزير خارجيتها هايكو ماس الازمة في تلك الفترة.
وتمكنت من تجاوزها من خلال لقاء مباشر مع بوتين ورغم التغير الحاصل في المستشارية الالمانية ومجئ اولاف شولتس الذي راهنت عليه أمريكا لاتخاذ موقف أكثر تشددا فان ألمانيا التزمت بمصالحها الاقتصادية والجيوسياسة مع روسيا؛ ولم تندفع في مسار التصعيد الامريكي.
اذ تعتبر برلين نفسها الى جانب موسكو الخاسر الاكبر من الأزمة الاوكرانية؛ ومن العقوبات؛ ولعلها المضامين التي ناقشها شولتس مع نظيره الروسي بوتين؛ فالمستفيد من الازمة امريكا وليس المانيا والاتحاد الاوروبي؛ الذي سيدفع ثمنا عسكريا وامنيا واقتصاديا كبيرا بجانب روسيا وهو استنزاف سيمكن اميركا وبريطاينا البريكست من الاحتفاظ بموقع الصدارة في النظام الدولي.
الأهم من ذلك أن ألمانيا تدرك أن رئاسة بايدن ليست أزلية وأن الساحة الداخلية في امريكا مضطربة ومنقسمة سياسيا؛ فضلا عن التوجهات الأمريكية نحو الباسفيك فأزمة أوكرانيا يمكن أن تتحول الى إرث امريكي بائس يستنزف القارة الاوروبية دون جدوى سياسية وأمنية.
مخاوف ألمانيا تدركها روسيا؛ وتأخذ وعود ألمانيا على محمل الجد، فموسكو تتعامل باحترام أكبر مع برلين وتثق بتوجهاتها الإستراتيحية على عكس باريس؛ التي تتصارع معها في القارة الإفريقية.
زيارة شولتس من وجهة نظر الكرملين مهمة ؛ تجديد للوعود المقدمة من ميركل؛ ما يفسر مسارعة موسكو للاستجابة لها عبر الاعلان عن رغبتها بمواصلة الجهد الدبلوماسي.
فالموقف الألماني يعد حاسما في رسم المسار السياسي للازمة خصوصا وان شولتس وعد الروس بعدم طرح انضمام اوكرانيا على طاولة حلف الناتو.
ختاما .. لم تنته الأزمة فالملف الاخير والأكثر تعقيدا ؛ ملف مفاوضات الاستقرار الاستراتيجي بين أمريكا وروسيا؛ ملف تكشف بعض معالمة زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شيوغو الى سوريا للاشراف على مناورات البحرية الروسية بالقرب من طرطوس شرق المتوسط؛ مقابل زيارة يقوم بها وزير الدفاع الامريكي لويداوستين الى بروكسل للاجتماع بقادة حلف الناتو.
فالأزمة ليست مع ألمانيا بل مع أمريكا ومخاوفها من التقارب الصيني الروسي والذي من الممكن أن يمتد الى المانيا والاتحاد الاوروبي.

* حازم عياد كاتب وباحث سياسي
المصدر| السبيل – عمان

موضوعات تهمك:

هل غزو روسيا لأوكرانيا سيجنبها تهديد الناتو العسكري لاحقاً؟

قد يعجبك ايضا