العقوبات الأمريكية والصمود الإيراني

أدى الضغط الأمريكي في مطلع الثمانينات إلى فرض عقوبات من قبل مجلس الأمن الدولي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشملت هذه العقوبات الجوانب العلمية و الاقتصادية و العسكرية و التجارية للبلاد, وتشمل العقوبات حاليا حظرا على التعامل مع إيران من جانب الولايات المتحدة وحظر بيع طائرات وإصلاح قطع غيار لشركات الطيران الإيرانية.

ولطالما كانت العقوبات الامريكية على إيران تهدف إلى الحد من النفوذ الإيراني السياسي والعسكري التي بدا واضحاً في بعض الدول العربية, ولعلّ أبرز الدلائل هو التوسع العسكري الذي شمل العراق وسوريا ولبنان واليمن, والذي بات يشكل التهديد الأكبر لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة, وعندما نتكلم عن التوسع العسكري الخارجي لإيران فلا بدّ من ذكر الذراع الأساسي المسؤول عن العمليات الخارجية لإيران وهو “الحرس الثوري الإيراني” وبالتحديد “فيلق القدس” الذي يرتبط اسمه مع كافة العمليات العسكرية التي تنفذ خارج إيران, والذي تعده الولايات المتحدة الامريكية تهديداً في المنطقة العربية ودول الخليج خاصة.

وفي الآونة الأخيرة فرضت واشنطن عقوبات أمريكية جديدة على 27 كياناً وفرداً إيرانياً في قطاعات الأسلحة النووية والصاروخية والتقليدية. وتتضمن العقوبات أمراً تنفيذياً وقعه ترامب يستهدف الجهات التي تشتري أو تبيع أسلحة تقليدية لإيران. ومن بين تلك الكيانات وزارة الدفاع وهيئة الصناعات الدفاعية الإيرانية ومديرها مهرداد كتابجي، إضافة إلى مسؤولين كبار في منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وكذلك أفراد على صلة بمجموعة “شهيد همت” الصناعية وهي المنظمة الإيرانية المعنية بإنتاج الوقود السائل للصواريخ الباليستية.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد كتبت في (20 سبتمبر/ أيلول 2020) “إنه لهدف نبيل أن تُمنع إيران من الحصول على أسلحة متطورة وهي التي تقدم الدعم لعدد من التنظيمات غير الحكومية الضالعة في العنف بالمنطقة. لكن منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، والقوى العالمية تركز على الهدف الأكبر: منع إيران من الحصول على سلاح نووي. قد تكون عقوبات “سناك باك” المسمار الأخير في نعش اتفاق يسعى بالفعل لتحقيق هذا الهدف، على الأقل حتى عام 2030. علاوة على ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الصفقة (مع إيران) عام 2018 ليس للولايات المتحدة الحق في اللجوء إلى بند منتقى بعناية يخدم أجندتها الخاصة بينما تسخر من بقية الصفقة. هذه ليست الطريقة التي تعمل بها الاتفاقات الدولية. إن تصرفات إدارة ترامب تقوض حرمة أي اتفاق دولي مستقبلي”.

ويرى محللون أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تريد تجفيف منابع العملات الصعبة التي تحصل عليها إيران، فتذهب بشكل مباشر نحو النفط، النبع الرئيس الذي يغذي خزينة طهران بما تحتاجه لتصنع تأثيرا ممتدا ومثيرا للجدل في منطقة الشرق الأوسط.

وكان قد نشر مقال بعنوان “تصفير نفط إيران استقرار للعالم”، لسلمان الدوسري في الشرق الأوسط اللندنية, يذكر فيه: “يمكن القول إن تقليص تصدير النفط الإيراني هو الطريقة الفعالة للاستراتيجية الأمريكية في الضغط على إيران”.

ويؤكد الدوسري أن “دخول العقوبات الأمريكية مرحلة جديدة من محاولة تصفير مبيعات النفط الإيرانية سيؤدي إلى تحقيق ما هو مطلوب من تغيير سلوك نظام طهران، باعتباره أمرا واردا هذه المرة، بعد أن يحرم النظام من 40 في المئة من عوائده التي تأتي من مبيعات النفط”.

لا شك بأن النفط الإيراني يعد من أهم الأمور المستهدفة من قبل العقوبات الأمريكية, ولكنّ السلاح الإيراني لا يقل أهمية من ناحية الأهداف التي تشملها العقوبات, فمع اقتراب انتهاء مدة حظر الأسلحة على إيران في 18 أكتوبر/تشرين الأول وكذلك اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 نوفمبر/تشرین الثاني، أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو فجر الأحد أن عقوبات الأمم المتحدة على إيران دخلت مجددا حيز التنفيذ.

ومع كافة الضغوطات الأمريكية والعقوبات, يرى محللون أن إيران تحافظ على صمودها, بل ويرى البعض أن القوة الإيرانية تتعاظم بالأخص “القوة العسكرية” ففي 20 يونيو 2019, أسقطت القوات الجو – فضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني طائرة تجسس أمريكية حديثة من طراز “آر كيو-4 غلوبال هوك” بصاروخ أرض جو فوق المجال الجوي الدولي في منطقة مضيق هرمز.

وفي 8 يناير 2020, قصف الحرس الثوري الإيراني قاعدة عين الأسد الجوية التابعة للقوات الأمريكية في العراق, بصواريخ بالستية إيرانية الصنع وذلك كرد على العملية الأمريكية التي أدت إلى مقتل الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني.

وفي وقت سابق قال نائب قائد القوات البرية للجيش الإيراني، العميد نوذر نعمتي, إن بلاده حققت الاكتفاء الذاتي في مجال صناعة وإنتاج ناقلات الدبابات والمركبات الثقيلة مضيفاً أنه “يمكننا اليوم في هذه القوة أن نصنع وننتج ما هو حاجة القطاع الدفاعي وهذا إنجاز عظيم وقيم. اسعوا للوصول إلى موقع أعلى في مجال تصنيع وإنتاج مختلف الأجزاء وعدم السماح للحظر بشل قدراتنا”.

وكان قد كشف الرئيس التنفيذي لـ«منظمة الصناعات العسكرية» بوزارة الدفاع الإيرانية، الأدميرال أمير رستغاري، عن خطط بلاده لتصدير الأسلحة بعد انتهاء الحظر الأممي المنصوص عليه في القرار «2231» الصادر من مجلس الأمن، على هامش تدشين مدمرة جديدة تابعة لبحرية الجيش الإيراني، والإعلان عن مشاريع جديدة لبناء غواصة وحوامة هجومية ومنصات عمودية لإطلاق صواريخ «كروز».
ونقلت وكالة «مهر» شبه الرسمية، عن رستغاري قوله للصحافيين: «لدينا القدرة على تصدير معدات عسكرية بمليارات الدولارات في مختلف المجالات؛ بما فيها مجالات غير عسكرية خلال عام واحد».

في حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن العقوبات الأممية على إيران دخلت مجدداً حيزّ التفيذ محذرةً من «عواقب» ستطال من يخالف هذه العقوبات أو يحاول اختراقها، ولكن الأمين العام للأمم المتحدة أبلغ مجلس الأمن الدولي أنه لا يستطيع اتخاذ أي إجراء إزاء الإعلان الأمريكي نظراً لوجود “شك” في المسألة.

ويعتقد المحلل السياسي هادي أفقهي أن الولايات المتحدة الأميركية ترى أن إيران مهتمة ببيع أسلحتها أكثر من شراء أسلحة جديدة، لأن ذلك قد يفتح بابا أمام التوسع الاقتصادي، مما سيقلل الضغط الأميركي للدرجة القصوى، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو.

وأكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على أن التحرك الأمريكي لإعادة العقوبات الدولية على إيران مجرد دعاية ضمن حملة الرئيس دونالد ترامب الانتخابية، ولا تأثير حقيقي لها. وأضاف ظريف أن واشنطن فشلت في إعادة فرض العقوبات الأممية، واستبعد أن تؤثر العقوبات «الثانوية» على شراء طهران أسلحة من الصين وروسيا.

ويرى محللون أن رفض مجلس الأمن لمشروع القرار الأميركي يمثل سقوطاً مدوياً لشكل الإصطفاف الدولي من القضايا التي تخصّ الجمهورية الإسلامية، كما ظهر إلى العلن الخلاف العميق في الإستراتيجيات الأميركية والأوروبية. ففي حين تعمد الولايات المتحدة الى تطبيق استراتيجية الضغط الأقصى، تسعى الدول الأوروبية الى ربط النزاع مع الجمهورية الإسلامية، وحثّها على التفاوض حول القضايا العالقة.

ومع ترقب العالم للانتخابات الأمريكية, لم يتبقى إلا ساعات محدودة تفصل الولايات المتحدة عن إعلان اسم الرئيس المقبل بين “دونالد ترامب” الساعي لتأمين ولاية ثانية في البيت الأبيض، والمرشح الديمقراطي “جو بايدن”. ولكن السؤال المهم هنا هل تغيّر الوجه الرئاسي سيغيّر السياسية الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة أم أن للولايات المتحدة ثوابت و متغيرات وفقاً لمصالحها القومية في المنطقة؟.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا