هل تفقد فرنسا نفوذها في المغرب العربي إلى الأبد؟

هل تفقد فرنسا نفوذها في المغرب العربي إلى الأبد؟

بعد أسابيع من الأزمة التي طبعت علاقة فرنسا بكلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأستراليا إثر انسحاب الأخيرة من صفقة الغواصات التي وقَّعتها مع باريس سابقا، وجَّهت فرنسا مدافعها الدبلوماسية الثقيلة نحو قصف علاقاتها الودية مع دول المغرب العربي، خصوصا مع الجزائر التي تدهورت علاقتها بباريس تدهورا شديدا بسبب ما صرَّح به مؤخرا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، مُشكِّكا في وجود “أمة جزائرية” قبل استعمار بلاده للجزائر، ومُهاجِما النظام السياسي وفي مقدِّمته الرئيس “عبد المجيد تبون”.

 

تأتي هذه الأزمة الدبلوماسية في توقيت حساس قد لا يصب في صالح فرنسا بالضرورة، لكنه مفيد في الوقت نفسه لماكرون الذي يستعد لخوض معركة انتخابية طاحنة أمام يمين مُتطرِّف يشحذ جميع أسلحة الفاشية للوصول إلى قصر الإليزيه، ومن ثمَّ يجد الرجل نفسه مدفوعا لاستخدام مواقفه الحادة الأخيرة باعتبارها أوراقا مهمة في لعبة الدعاية الانتخابية لإثبات أنه المرشح الأكثر حزما فيما يتعلَّق بسيادة فرنسا وروايتها التاريخية، والأكثر تمسُّكا بقيمها الجمهورية التي يُهدِّدها اللاجئون والمهاجرون على حد قول أنصار اليمين المُتطرِّف، وهُم كُثر في فرنسا.

 

شعرة معاوية بين باريس والمغاربة

رغم أن فرنسا أُجبرت على الخروج من مستعمراتها العربية بشمال أفريقيا في الستينيات، فإن العلاقة استمرَّت بين الطرفين لأسباب شتى، مثل المصالح السياسية والاقتصادية المتبادلة، وكذلك الأثر الثقافي الفرنسي الذي تركته سنوات الاستعمار الطويلة. وقد حاولت فرنسا الإبقاء على مسافات آمنة من الأنظمة السياسية التي تولَّت الحكم بعد نهاية الاستعمار، وأصرَّت أحيانا على تجنُّب مشكلات من شأنها التسبُّب في توتر العلاقات بين باريس والعواصم المغاربية، وإن فرضت الضرورة التاريخية وقوع خلافات في عدد من القضايا.

 

في الجزائر مثلا، تعاملت فرنسا بمبدأ “لا تدخُّل ولا تجاهل”، فراقبت مستجدات الساحة الجزائرية مع تجنُّب التدخُّل المباشر بسبب الحساسية الكبيرة التي تتعامل بها الطبقة السياسية والشعب في الجزائر مع أي دور فرنسي. (1) وفي يناير/كانون الثاني 1992، بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي منحت الصدارة لجبهة الإنقاذ الإسلامية، أعرب الرئيس الفرنسي السابق “فرانسوا ميتِران” عن استغرابه من الأمر، ما جعله هدفا لتصريحات قادة السلطة الجزائرية، التي استغلَّت الوضع لإعادة الحشد الوطني في فترة عصيبة عاشتها البلاد، وقد اعتبر مراقبون حينها أن تصريح الرئيس الفرنسي لم يكن سوى هدية للسلطة الجزائرية الحاكمة، حيث ساعد الجيش على حشد الرأي العام وراءه، لا سيما أن فرنسا لم تُحرِّك ساكنا أثناء أحداث 1988 الدموية. (2)

تكرَّر مثل هذه الموقف كثيرا بين الجزائر وفرنسا. ففي فبراير/شباط 1995، أبدت باريس استعدادها لقبول مبادرة السلام التي اقترحتها المعارضة الجزائرية في روما، واقترحت عقد مؤتمر حول ما يحدث في الجزائر إبان العشرية السوداء، لكن السلطة الجزائرية رفضت المبادرة، واتهمت فرنسا بالتدخُّل في شؤونها الداخلية وتدبير مؤامرة انتقامية استعمارية. وفي سنة 2000، تدخَّل الرئيس الفرنسي “جاك شيراك” شخصيا لإلغاء مادة في مشروع قانون فرنسي يخص التعليم يعترف بالدور الإيجابي لفرنسا أثناء وجودها في مستعمراتها، بعد ردة الفعل الغاضبة من النظام السياسي الجزائري الذي قال إن باريس تعمَّدت إهانة شهداء الثورة والانتقام من استقلال الجزائر. (3)

أكَّدت كل هذه المحطات السابقة وغيرها لباريس أن أي تعليق غير محسوب حيال الأوضاع الداخلية في الجزائر ستكون له عواقب وخيمة، ولذا امتنعت الحكومة الفرنسية عن دعم المظاهرات الشعبية في الجزائر حين نشبت في فبراير/شباط 2019، على عكس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين أكَّدا حق الجزائريين في التظاهر. وعبَّر عن هذا الموقف الرسمي المتردِّد “إدوارد فيليب”، رئيس الحكومة السابق، الذي قال في حديث له مع وسائل إعلام فرنسية إن الجزائر بلد ذو سيادة، وإن على الجزائريين أنفسهم اتخاذ القرارات المهمة المؤثرة على مستقبلهم. كان الهدف من التصريحات النأي بفرنسا عن المشكلات وعدم خسارة الجزائر التي تعتبرها شريكا إستراتيجيا اقتصاديا واستخباراتيا، نظرا لدور المخابرات الجزائرية الكبير في تتبُّع الشبكات الجهادية النشطة في أوروبا منذ الثمانينيات. (4)

ما ينطبق هنا على الجزائر يمكن استدعاؤه في العلاقة بين فرنسا والمغرب، رغم أن الحساسية بين البلدين أقل حِدَّة، بسبب النظام الاستعماري المختلف الذي فرضته باريس على الرباط. وقد حاول رؤساء فرنسيون كُثُر مثل “نيكولا ساركوزي” و”فرانسوا هولاند” إقامة علاقات قوية مع المملكة، وعلى النهج نفسه سار ماكرون، الذي سافر إلى المغرب بعد شهر من توليه الرئاسة لاستعادة ذكريات المشاريع والصفقات التي عقدها بمدينة الدار البيضاء أثناء عمله السابق في بنك “روتشيلد”. (5)

 

التقى ماكرون في هذه الزيارة عددا من المسؤولين المغاربة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة وقادة البرلمان المغربي، قبل أن ينضم إلى عشاء ملكي التقى خلاله بالملك محمد السادس. وبعد الزيارة، وقف ماكرون أمام الإعلام في ندوة صحافية أكَّد فيها أنه لمس اهتماما كبيرا من طرف الملك بما يجري في الريف المغربي، الذي كان يشهد حراكا اجتماعيا حينئذ. (6) وبالتزامن مع ذلك، حرصت باريس على دعم الموقف المغربي في عدد من المحافل الدولية، خصوصا ما يتعلَّق بقضية الصحراء التي تُعَدُّ القضية الوطنية الأولى بالنسبة للرباط، إذ دعمت فرنسا مقترح الحكم الذاتي الذي تقدَّم به المغرب مُعتبرة إياه حلا جديا وواقعيا للأزمة.

تفجير الألغام لدواعٍ انتخابية

رغم محاولات السياسة الفرنسية الإبقاء على العلاقات الجيدة مع المغرب والجزائر على حدٍّ سواء، فإن صُنَّاع الرأي في فرنسا يحرصون من آنٍ إلى آخر على تغيير نبرتهم تجاه الدول المغاربية، من أجل خدمة مصالحهم السياسية تارة، ومن أجل إعادة رسم التراتبية بين باريس ومستعمراتها السابقة تارة أخرى.

 

على سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2020 كتبت “هيلين لوغال”، السفيرة الفرنسية في الرباط، تغريدة تشكر فيها “شكيب بن موسى”، رئيس اللجنة المغربية الخاصة بالنموذج التنموي، لتسليمه إياها “تقريرا مرحليا” حول البرنامج التنموي، وهو خارطة طريق سياسية واقتصادية واجتماعية طالب الملك محمد السادس بالعمل عليها منذ سنة 2019. (7) وقد أثارت تغريدة السفيرة الفرنسية غضبا شعبيا كبيرا لما تعنيه من تدخُّل فرنسي مباشر في الشأن الداخلي المغربي، في وقت تساءل فيه مراقبون عن رغبة الدبلوماسية الفرنسية في إحراج الدولة المغربية عبر إبراز تحرُّكها علنا، رغم الحساسية الكبيرة التي تحيط بموضوع تدخُّل فرنسا في الشأن الداخلي للدول المغاربية. (8)

جاءت تغريدة السفيرة الفرنسية بعد أشهر قليلة من تغريدة لماكرون طالب فيها المغرب -بصيغة الأمر- بتسهيل مغادرة المواطنين الفرنسيين العالقين في المغرب بعد قرار الرباط إغلاق حدودها إثر انتشار فيروس “كوفيد-19″، وهي تغريدة رأى فيها الرأي العام المغربي عدم احترام للبلاد ومؤسساتها، وافتقارا إلى اللغة الدبلوماسية التي تتخاطب بها الحكومات عادة. (9)

 

في سياق متصل، لم تتردَّد إدارة الرئيس الفرنسي ماكرون في الدخول في مواجهة مباشرة مع الجزائر، عبر إثارة عدد من الموضوعات التي تعلم باريس يقينا أنها خط أحمر بالنسبة للجزائريين. وقد بدأ مسلسل التصعيد ضد الجزائر في 20 سبتمبر/أيلول الماضي عندما استقبل الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه عائلات “الحَرْكَى”، وهم العرب الذين حملوا السلاح مع فرنسا ضد بلادهم أثناء حرب التحرير الجزائرية بين عامَيْ 1954-1962، مُعلِنا عن مشروع تعويض لهم قبل نهاية العام، ومُقدِّما اعتذارا لهم باسم فرنسا عن كل ما عاشوه من معاناة. (10)

أعرب الرئيس الفرنسي خلال اللقاء ذاته عن أسفه حيال رفض الجزائر وطء هذه العائلات ترابها الوطني، مؤكِّدا أنه سيعمل بكل جد على تعويض الحَرْكَى الباقين على قيد الحياة، وأُسَر مَن قضى نحبه منهم، عن سوء المعاملة التي تعرَّضوا لها من طرف الجمهورية الفرنسية حين تخلَّت عنهم في الجزائر. فقد لاقى أولئك الحركى إثر وصولهم إلى فرنسا ظروفا قاسية، منها تجميعهم في معسكرات تفتقد لأدنى شروط السكن اللائق، والزج ببعضهم في السجون، وعدم السماح لأبنائهم بالتعلُّم مع أبناء الفرنسيين في مدارس فرنسا.
بالتأكيد كان ماكرون يدرك أن إثارة موضوع الحركى سيُوَتِّر العلاقات مع الجزائر، لكن مصادر مُقرَّبة من الإليزيه أكَّدت أن استقبال الحركى وأُسَرِهم جاء بعد أشهر من التخطيط السري، إذ أراد الرئيس الفرنسي فيما يبدو تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية لأجل الحفاظ على فرصته في ولاية ثانية خلال الانتخابات المقبلة التي سيواجه فيها اليمين المُتطرِّف المستعد للإطاحة به عبر إظهار التمسُّك بمواقف “قومية” صلبة. (11)

تحدَّث ماكرون أثناء الاستقبال مع سيدة تحمل اسم “مارغريت”، وهي ابنة أحد الحركى، وقد قاطعت الرئيس الفرنسي أكثر من مرة احتجاجا على عدم احترام فرنسا لوعودها تجاههم، ووعدها الرئيس بتغيُّر الوضع. وقد صرَّحت قائلة: “قال لي (ماكرون) إنه يتفهَّم معاناتنا، وأثَّر فيَّ ذلك، وبكيت بعد هذه الكلمات، ثم وعدني بأن كل شيء سيُحل، لقد سمع ما كنت أود أن أقول، وقد شكرته”.

 

لم يرغب الرئيس الفرنسي بإقناع “مارغريت” وحدها بموقفه ذاك، بل إنه وجَّه رسالته إلى عموم الحركى، الذين يُصوِّتون غالبا لليمين المُتطرِّف، ومن ورائهم الفرنسيون من أنصار اليمين، الذين يُبدون تعاطفا مع الحركى كونهم تركوا بلادهم ورفعوا علم فرنسا، ولا يستسيغون حتى الآن الطريقة التي انسحب بها جيشهم من الجزائر. (13)

وكما هو متوقَّع، سرعان ما دخلت على الخط “مارين لو بِن”، منافسة ماكرون اليمينية في الانتخابات المُرتقَبة، وعلَّقت على تحرُّكه تجاه الحركى عبر تغريدة على تويتر قائلة إن هذا الكرم الانتخابي للرئيس الفرنسي لن يتمكَّن من مسح عشرات السنين من ازدراء الحركى والاعتداء على ذاكرة المقاتلين الفرنسيين بعد أن صرَّح هو نفسه سنة 2017 أن ما حدث في الجزائر جريمة ضد الإنسانية. (14) في السياق ذاته، يمكننا قراءة قرار باريس خفض عدد التأشيرات التي تمنحها لمواطني المغرب والجزائر بنسبة 50% ولمواطني تونس بنسبة 30%، وهو القرار الذي اعتبره وزير الداخلية الفرنسية “جيرارد دارمنان” رد فعل طبيعيا من بلاده بعد رفض هذه الدول استلام مواطنيها من المهاجرين غير الشرعيين الموجودين حاليا في مراكز الاحتجاز. (15) (16)

من جهته، اعتبر وزير الخارجية المغربي “ناصر بوريطة” أن هذا القرار غير مُبرَّر لمجموعة من الأسباب، منها أن المغرب يتعامل مع مسألة الهجرة وتنقُّل الأفراد بمنطق المسؤولية والتوازن اللازمين، أي من خلال تسهيل تنقُّل الطلبة ورجال الأعمال، مع الالتزام بمسؤولياته فيما يخص ظاهرة الهجرة غير الشرعية. (17) وقال بوريطة إن بلاده قدَّمت نحو 400 اعتماد مرور للأشخاص الموجودين في وضع غير قانوني في فرنسا، لكنها تُصِر على ضرورة قيام هؤلاء المُرَحَّلين بفحص “كوفيد-19” قبل دخول ترابها كأي دولة أخرى، مُستغرِبا من معاقبة فرنسا للمغاربة بسبب عدم تمكُّنها من إقناع المُرَحَّلين بالفحص. هذا واستدعت الجزائر من جهتها السفير الفرنسي “فرانسوا غويات” لإبلاغه احتجاجها الرسمي على قرار باريس تقييد منح التأشيرة لمواطنيها، مُعتبرة أن القرار أحادي وغير مناسب، لا سيما وقد أتى عشية توجُّه وفد جزائري إلى باريس للتنسيق بخصوص الهجرة غير الشرعية.

 

بيد أن ردود الفعل الغاضبة هذه لم تُقلق الرئيس الفرنسي، الذي أراد إظهار قدرته على الحد من دخول الأجانب إلى تراب بلده ليس إلا، مُدغدغا بذلك مشاعر الجماهير اليمينية، ومُسلِّطا الضوء على رغبته بترحيل المقيمين غير القانونيين بأي ثمن، ولو كان استفزاز دول المغرب العربي صاحبة العلاقات التاريخية مع باريس. ولم يقف ماكرون عند هذا الحد، بل خرج في 2 أكتوبر/تشرين الأول الحالي للتشكيك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، مُستغربا من تركيز الجزائريين على الحقبة الفرنسية وعدم التفاتهم للحقبة العثمانية حين “احتل الأتراك الجزائر”، على حد وصفه. (19)

صرَّح الرئيس الفرنسي أثناء استقباله 18 شابا فرنسيا من أصول جزائرية، أغلبهم من أبناء الحركى، أن النظام السياسي العسكري الجزائري بُنِيَ على ريع مرتبط بالذاكرة، مُتهِما الطبقة السياسية والجيش في الجزائر بصنع العداء والكراهية لفرنسا، وواصفا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأنه عالق داخل نظام مُعقَّد وصعب للغاية. وقد أعلنت الرئاسة الجزائرية بعد هذه التصريحات استدعاء سفيرها لدى باريس للتشاور، وذكَّرت فرنسا بجرائمها التي “لا تُعَدُّ ولا تُحصى ولا تسقط بالتقادم” حسب بيان لها. وبعد ساعات، أعلنت الجزائر إغلاق أجوائها في وجه الطائرات العسكرية الفرنسية المُتجهة إلى منطقة الساحل الأفريقي. (20) (21)

هل تخسر فرنسا المغرب العربي في عهد ماكرون؟

قبل سنوات خمس، قدَّم ماكرون نفسه أثناء حملته الانتخابية الأولى بوصفه المرشح الشاب البعيد عن الخطاب السياسي الفرنسي الكلاسيكي، والراغب بالنظر إلى الأمور نظرة مختلفة، وكانت مفاجأة سعيدة للرأي العام المغاربي حين اعتبر الرجل أن ما ارتكبته بلاده أثناء احتلال الجزائر يُعَدُّ “جرائم ضد الإنسانية”. لكن أشياء كثيرة تغيَّرت الآن على ما يبدو، فقد عاد ماكرون بسياسته مؤخرا إلى الإنكار نفسه الذي طالما صبغ مواقف فرنسا خلال العقود السابقة. (22)

لكن هذه السياسة الباريسية المتعجرفة لا تأتي بغير ثمن. ففي خضم التركيز داخل فرنسا على معادلة اليمين في الداخل، تتسرَّب تدريجيا من بين أيدي باريس علاقاتها المتينة مع دول المغرب لصالح شركاء جدد. ففي الجزائر، التي تُعَدُّ امتدادا تاريخيا للنفوذ الاقتصادي الفرنسي، بدأت عملية انفتاح على الصين لا تُعجب فرنسا، التي تحتل اليوم المركز الثاني بقائمة شركاء الجزائر التجاريين بعد بكين، رغم زيادة قيمة التبادل التجاري بين البلدين ثلاث مرات بين عامَيْ 1999-2013. هذا وتُزوِّد الجزائر فرنسا بالمحروقات التي تُمثِّل 95% من صادراتها، كما تنشط 450 شركة فرنسية في الجزائر تُوفِّر 40 ألف وظيفة، وكلها مصالح اقتصادية مُهدَّدة الآن تحت وطأة الأزمة السياسية الجارية.

 

من جهته بدأ المغرب هو الآخر البحث عن شركاء جدد، إذ فقدت باريس مكانتها بوصفها أبرز الشركاء التجاريين للرباط لصالح إسبانيا ثم الصين، التي اقتربت من الحصول على صفقة القطار السريع الذي سيربط بين مدينتَيْ مراكش وأكادير جنوبي المغرب. كما ترغب بكين بنصيب من مشروع تمديد خط القطار الفائق السرعة بين الدار البيضاء ومراكش. (24)

على الصعيد العسكري تأتي الخسارات الأكبر والأهم لفرنسا منذ صعود ماكرون. فقد فشلت باريس في كسب دعم عدد من القوى الأفريقية والأوروبية لحربها على الجماعات الإسلامية بالساحل الأفريقي، ومن ثمَّ حاربت وحيدة وشهدت حربها إخفاقات نالت استهجان حلفائها الغربيين قبل العرب، وهي الآن تخوض عملية انسحاب جزئي دون تحقيق أهدافها. وعلى ضوء الإخفاق العسكري الفرنسي، وضلوع باريس في المشهد الليبي بصورة لم تُرضِ الجزائر والرباط على السواء، تميل الجزائر مؤخرا إلى خطب ود الروس والاستفادة من ترسانتهم العسكرية، فيما تميل الرباط إلى البحث عن دور لها بالرابطة الأطلسية مع بريطانيا والولايات المتحدة، لا سيما وقد منحتها الأخيرة اعترافا مهما بسيادتها على الصحراء الغربية.

 

يأتي كُل ذلك في إطار تراجع فرنسا عالميا، واستبعادها من التحالف الأميركي-البريطاني-الأسترالي لمواجهة الصين بمنطقة المحيط الهادئ، وهو تراجع يدفع دول المغرب إلى الشعور بالثقة في قدرتهم على إيجاد حلفاء جدد من القوى الكبرى الأثقل اليوم، وكذلك في قدرتهم على إعادة تعريف العلاقة مع فرنسا بحيث تُبنى على المعاملة بالمثل وتتحرَّر بالكامل من الإرث الاستعماري. في المقابل، من الواضح أن باريس، ورئيسها الباحث عن شرعية انتخابية ذات نبرة قومية، تتمسَّك بالمعادلة القديمة وبصفحات غير مُشرِّفة من الماضي، بشكل قد يؤدي بفرنسا إلى خسارة سياسية واقتصادية على المدى البعيد لن تُعوِّضها المكاسب المحدودة لأي طرف في انتخابات العام المقبل.

في الأخير، تبدو إستراتيجية فرنسا أشبه بمَن يزرع الألغام من حوله لحماية نفسه، بيد أنه سرعان ما يكتشف أن تلك الألغام ستنفجر فيه قبل غيره حين يدرك حاجته الطبيعية إلى الحركة مجددا، وأنه لن يبقى مُنعزلا إلى الأبد. وحين يحين موعد العودة إلى الحالة الطبيعية، وتتجاوز الدبلوماسية الفرنسية مهرجان الانتخابات ومغازلة اليمين وهوس اللاجئين، قد تجد فرنسا أنها زرعت ألغاما أكثر من اللازم هذه المرة، وأن ما فقدته لعله لن يعود كاملا أبدا كما تعوَّدت، لا سيما في زمن يرى فيه المغاربة عشرات البدائل أمامهم تُعوِّضهم عن تلك العلاقة المُرتبكة وغير الصحية مع باريس، بل وتمنحهم الشعور بالتكافؤ الذي لم يأتِ أبدا من شمال المتوسط. (25)

بقلم: المهدي الزيداوي (صحفي مغربي)

المصدر: الجزيرة نت 


موضوعات قد تهمك: 

وسائل الإعلام وبناء القوة الناعمة في إفريقيا

ديمقراطية لا علمانية

موجات تغيير عظيمة.. كيف سيبدو العالم؟

 

قد يعجبك ايضا