هل تعافت باريس وبرلين من صدمة بريكست وأوكوس؟

أمريكا لن تزود ألمانيا بالغاز بأسعار روسيا التفضيلية ولن تتمكن من الحفاظ على تدفق منتظم للغاز.

عانت ألمانيا بقوة من انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) قبل أعوام وبتشجيع من المؤسسات الامريكية السيادية على اختلاف مستوياتها.

لم تتعافَ فرنسا من اتفاق أوكوس، ولم تتعافَ ألمانيا من البريكست البريطاني المدعوم أمريكياً، فالندوب لا زالت ظاهرة في بنية الاتحاد الاوروبي والناتو.

عدم التعافي يفسر التأني الالماني والفرنسي وعدم الاندفاع خلف الادارة الامريكية بملف التصعيد في أوكرانيا، بل وحتى في ملف التصعيد مع الصين أيضا.

فرنسا تملك شكوكاً قوية ومن خلفها ألمانيا بالملف الاوكراني، فأمريكا تطالب الدول الاوروبية بأن تثق بها وبتقديراتها الامنية لتتخذ مواقف متشددة من روسيا.

* * *

بقلم: حازم عياد

لا يمكن القول بأن فرنسا تعافت من صدمة اتفاق أوكوس AUKUS الذي وقع عليه كل من أستراليا وإنجلترا والولايات المتحدة الامريكية في أيلول/سبتمبر 2021.
أوكوس أبطل اتفاقاً سابقاً بين باريس وكانبيرا عاصمة أستراليا في العام 2016؛ إذ فسخ عقداً بقيمة 37 مليار دولار تحدِّث فيه باريس أسطول الغواصات الأسترالية بتزويده بـ12 غواصة تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء.
التكنولوجيا الأمريكية والبريطانية النووية حلت مكان التكنولوجيا الفرنسية التقليدية؛ بعد أن تعهدت واشنطن ولندن بتزويد استراليا بغواصات نووية، وبقيمة فاقت الـ50 مليار دولار في صفقة اعتبرتها باريس طعنة في الظهر.
فرنسا واجهت الصدمة بانتقادات حادة لرئيس الوزراء الأسترالي، متهمة إياه بالكذب والخداع، واستدعت سفيريها من كانبيرا وواشنطن للتشاور حول الكارثة في حينها.
لكنها عادت لترميم علاقاتها بالعواصم الثلاث ظاهرياً، فالأزمات بين لندن وباريس حول حقوق الصيد البحري والربط الكهربائي والشحن البري والبحري؛ تحولت إلى كابوس حقيقي في العلاقات بين البلدين..
في المقابل؛ برزت إلى السطح التباينات الحادة بين واشنطن وباريس في ملفات حساسة، كملف الغاز الروسي والملف اللبناني والملف الليبي وملف الساحل والصحراء، بما فيها مالي وافريقيا الوسطى وتشاد وبوركينافاسو وملف الصحراء الغربية وغيرها.
فالفجوة اتسعت ولم تضق بين العواصم الثلاث، كان آخرها التواصل المباشر بين الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي للتشاور حول عدد من الملفات، بما فيها الملف النووي واللبناني واليمني.
لا يمكن القول إن العلاقة– رغم مرور ما يقارب الاشهر الأربع– تعافت؛ ففرنسا تملك شكوكاً قوية ومن خلفها برلين في الملف الاوكراني، فواشنطن تطالب الدول الاوروبية بأن تثق بها وبتقديراتها الامنية لتتخذ مواقف متشددة من روسيا.
وهي تبذل جهدا مضاعفا للتضييق على موسكو بتقديم معلومات مدعمة بخرائط وصور للأقمار الصناعية لإقناع باريس وبرلين بالانضمام لحملة التصعيد، الأمر الذي تحقق جزئياً لواشنطن.
لكن برلين لا زالت تراوغ في محاولة لتجنب المواجهة المباشرة مع موسكو، وهي ترفض بشكل مطلق تزويد كييف بالأسلحة، في حين أن باريس عمدت إلى تفعيل آلية نورماندي الرباعية التي تضم كلاً من روسيا وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا لخفض التوتر على الحدود بين روسيا وأوكرانيا.
باريس وبرلين تدركان أن واشنطن تحاول تحسين وتجويد أوراقها التفاوضية مع موسكو على حساب الحلفاء الأوروبيين، وهو ذات الحال بالنسبة لموسكو التي تحشد لتحقيق الغاية ذاتها، في حين أن العاصمتين برلين وباريس تملكان تجارب مريرة مع الإدارة الامريكية الحالية والتي سبقتها فيما يتعلق بالملفات الاستراتيجية، كملف أوكوس وملف الغاز الروسي والبريكست.
من منظور برلين؛ أمريكا لن تزود ألمانيا بالغاز بذات الأسعار التفضيلية التي تقدمها موسكو، ولن تتمكن من الحفاظ على التدفق المنتظم للغاز، كما أن برلين عانت بقوة من انسحاب الحليف البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكست) قبل ذلك بأعوام، وبتشجيع من المؤسسات الامريكية السيادية على اختلاف مستوياتها.
ختاماً.. لم تتعافَ فرنسا من اتفاق أوكوس، ولم تتعافَ ألمانيا من البريكست البريطاني المدعوم أمريكياً، فالندوب لا زالت ظاهرة في بنية الاتحاد الاوروبي والناتو؛ ندوب تفسر التأني الالماني والفرنسي في الاندفاع خلف الادارة الامريكية في ملف التصعيد في أوكرانيا، بل وحتى في ملف التصعيد مع الصين أيضا.

* حازم عياد كاتب وباحث سياسي
المصدر| السبيل الأردنية

موضوعات تهمك:

“حرب أعصاب” بين واشنطن وموسكو

قد يعجبك ايضا