هل التطبيع ممكن حقاً بين أنقرة ودمشق؟

محمود زين الدين25 أغسطس 2022آخر تحديث : منذ شهر واحد
محمود زين الدين
صحافة و آراءمميزة
Ad Space
التطبيع
Russian President Vladimir Putin, Iranian President Ebrahim Raisi and Turkish President Tayyip Erdogan arrive at a news conference in Tehran, Iran July 19, 2022. Turkish Presidential Press Office/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES

طريق الطرح الروسي والرغبة التركية يتجاهل العامل الأميركي الذي يُمسك بمستقبل “قسد” وشرق الفرات.
تحول عدة أسباب على الأرجح دون تحقيق تقدّم حقيقي في مسار التطبيع بين أنقرة ودمشق، رغم وجود رغبة تركية روسية إيرانية في هذا الاتجاه.
ما لم تصبح أميركا جزءا من تفاهم أكبر، فالأرجح أن النظام السوري وروسيا لن يستطيعا تنفيذ أية تعهدات يقطعونها للأتراك لتحييد حزب العمال الكردستاني.
ترجو روسيا فوز أردوغان في الانتخابات لاستقلاله عن الموقف الأميركي وعدائه أحيانًا له، لكن نظام الأسد يرغب بسقوط أردوغان ويأمل بوصول المعارضة للسلطة والتفاهم معها.
* * *

بقلم: مروان قبلان
كان الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أبدى، خلال السنوات الثلاث الماضية، براغماتية ملفتة في إعادة ترتيب علاقات بلاده الإقليمية والدولية، آخر مسؤول تركي يعلن رغبة حكومته في الانفتاح على النظام السوري.
أثارت تصريحات المسؤولين الأتراك ردات فعل بين السوريين جاءت في معظمها رافضة، سواء من جمهور المعارضة أو من جمهور النظام، كل لأسبابه.
ولكن فيما انشغل كثيرون في الجدل بشأن التصريحات ودوافع التغيير في الموقف التركي، ضاع السؤال المهم، وهو ما إذا كان التطبيع ممكنًا حقًا بين أنقرة ودمشق، علمًا أن النظام السوري نفسه منفتحٌ على فكرة تحسين العلاقة مع تركيا في مرحلة ما، باعتبارها التحدّي الأكبر الذي يواجه مساعيه الخاصة بطي صفحة الثورة نهائيًا، واستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، فيما لو قرّرت واشنطن مغادرة مناطق شرق الفرات.
الآن، وبعد أن هدأت عاصفة التصريحات، صار ممكنًا الحديث عن هوّة واسعة تفصل بين الرغبة التي تبديها أنقرة في الانفتاح على دمشق وإمكانية تحقيق ذلك بوجود عقبات كبرى على الطريق.
لقد بات معروفًا أن العوامل التي تدفع أنقرة إلى إحداث استدارة في سياستها السورية، والإقليمية عموما، تنبع بصورة أساسية من اعتبارات انتخابية واقتصادية داخلية، علمًا أن هناك اعتبارات إقليمية ودولية أيضًا.
فالرئيس أردوغان، ومعه حزب العدالة والتنمية، يواجه اليوم أكبر تحدّ انتخابي منذ وصوله إلى السلطة عام 2002، كما تواجه تركيا تحدّيات اقتصادية هي الأصعب منذ أزمة 1998، بعد أن فقدت الليرة التركية نحو 90% من قيمتها خلال العامين الماضيين، وبلغت نسبة التضخم 80%.
في ظل هذه الأوضاع، تبرز قضية اللجوء السوري الذي تستثمر فيه المعارضة، محمّلة حكومة أردوغان مسؤولية وجود نحو 3,7 ملايين لاجئ سوري، يجري تصويرهم على أنهم سبب الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها الأتراك. الاعتبار الآخر في استدارة اردوغان السورية مرتبطٌ بحزب العمال الكردستاني الذي لطالما شكّل قضية انتخابية مهمة في تركيا منذ بدأ العمل المسلح عام 1983.
من الواضح أن الرئيس أردوغان، بعد أن فشل في إقناع شركائه في مسار أستانة خلال قمة طهران الثلاثية (مع الرئيسين الإيراني رئيسي والروسي بوتين) بالعملية العسكرية التي كان يعتزم إطلاقها شمال سورية، قرّر أن يأخذ بطرح الرئيس بوتين الذي اجتمع به في سوتشي بعد أسبوعين من قمّة طهران.
في سوتشي بدا واضحًا أن بوتين يريد مساعدة أردوغان انتخابيًّا، إذ يتوجس من احتمال تغيير المعارضة التركية، الأقرب إلى واشنطن، سياسة تركيا تجاه روسيا فيما لو فازت في الانتخابات، علمًا أن بوتين سبق أن ساعد أردوغان في إحباط المحاولة الانقلابية عام 2016.
وعليه، استغلّ بوتين ضائقة أردوغان الداخلية، ليطرح عليه فكرة التفاهم مع دمشق لحل موضوع اللاجئين وقوات سورية الديمقراطية (قسد) التي يديرها حزب العمال الكردستاني، وبذلك يضرب عصفورين بحجر واحد:
الأول مساعدة أردوغان في الانتخابات؛
والثاني حسم الصراع في سورية نهائيًّا لصالح النظام عبر تحييد الطرف الرئيس الأخير الذي يهدّد وجوده.
ولكن عقبات تعترض طريق الطرح الروسي والرغبة التركية، أُولاها أنه يتجاهل العامل الأميركي الذي يُمسك بمستقبل “قسد” ومناطق شرق الفرات. وعليه، ما لم تصبح واشنطن جزءا من تفاهم أكبر، فالأرجح أن النظام والروس لن يكونوا قادرين على تنفيذ أية تعهدات يقطعونها للأتراك بخصوص تحييد حزب العمال الكردستاني.
أما العقبة الأخرى فترتبط بوجود خلاف أجندات بين دمشق وموسكو، فإذا كانت موسكو ترجو فوز أردوغان في الانتخابات، نظرًا لاستقلاليته عن الموقف الأميركي، وعدائه أحيانًا له، فإن نظام الأسد يرغب في سقوط أردوغان، ويتطلع إلى وصول المعارضة إلى السلطة لعقد تفاهم معها.
أما القول إن موسكو تملك قرار النظام السوري فهو من جملة أقوال كثيرة راجت خلال الصراع السوري من دون وجود ما يسندها. والواقع أن الروس لطالما اشتكوا من إعراض النظام عن الأخذ “بنصائحهم” أو الاهتمام بمواقفهم، بما في ذلك الهجوم الذي حاول النظام تنفيذه على إدلب مطلع 2020، وفشل بسبب رفض موسكو تقديم غطاء جوي له.
سوف تحول هذه الأسباب على الأرجح دون تحقيق تقدّم حقيقي في مسار التطبيع بين أنقرة ودمشق، رغم وجود رغبة تركية روسية إيرانية في هذا الاتجاه.

* د. مروان قبلان كاتب وأكاديمي سوري

المصدر: العربي الجديد

موضوعات تهمك:

ذكرى مجزرة الغوطة وإضافة الإهانة إلى جراح السوريين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة