نهاية «قرن المهانة»: الصين ترسم خطوطها الحمراء

عدم احترام الخطوط الحمر للأمم العريقة العائدة، كثيراً ما يقود إلى الحرب.
الخطّ الأحمر لبكين شرعنة واشنطن انفصال تايوان ولو تدريجيا كما أن ضمّ أوكرانيا لـ”الناتو” ولو دون إعلان رسمي خط أحمر لموسكو.
تفكّك الاتحاد السوفياتي وانهياره، واستمرار سياسة تطويق روسيا وحصارها لعقود ثلاثة، هو الترجمة العمليّة للمهانة التي تعرّضت لها روسيا.
الصين تتحدّث عن «قرن المهانة»، الذي بدأ مع «حرب الأفيون» البريطانية ضدّ بكين، وانتهى بوصول الشيوعيين إلى السلطة في عام 1949.
ليس بالضرورة أن تلجأ الصين إلى القوة المسلّحة لاستعادة وحدتها الترابية كخيار أوّل، لكنها ستمنع، ولو بالقوّة، أيّ تشجيع للنزعات الانفصالية فيها.
بخلاف روسيا التي تواجه خطراً وجودياً ناجماً عن وصول “الناتو” إلى حدودها، الصين غير مضطرة للتدخّل عسكرياً في تايوان لإنجاز عملية التوحيد قسرياً.
قرار روسيا التصدّي عسكرياً لاستراتيجية احتوائها، بالتدخُّل في أوكرانيا، يؤذن بدخول العالم عصراً جديداً تمحو فيه “الأمم العريقة” المهانة التي فرضها الغرب.
لم تكن الصين متسرّعة لإعادة التوحيد سلميا أو بالقوّة ورهانها الأفضل صعودها المستمرّ وعندما تصبح المجابهة العسكرية معها مرتفعة الكلفة لأميركا، ستوافق تايوان على العودة إليها دون قتال.
* * *

بقلم: د. وليد شرارة
من بين أبرز المبرّرات التي قدّمتها القوى الغربية لتسويغ تورّطها المباشر في حرب أوكرانيا، ودعمها العسكري والسياسي والاقتصادي الضخم لنظام كييف، تلك المتّصلة بضرورة تحويل الحرب لـ”هزيمة نموذجية” لروسيا، لردع أيّ نوايا صينية للقيام بتدخّل مشابه في تايوان.
لم يخطئ صنّاع القرار بأميركا والغرب عندما اعتبروا أن قرار روسيا التصدّي عسكرياً لاستراتيجية الاحتواء المعتمدة ضدّها، عبر التدخُّل في أوكرانيا، يؤذن بدخول العالم عصراً جديداً أو «زمن ما بعد الغرب»، وفق تعبير لافروف المفضل، تشرع فيه «الأمم العريقة» في محو آثار المهانة التي فرضها عليها الغرب.
وإذا كان تفكّك الاتحاد السوفياتي وانهياره، واستمرار سياسة تطويق روسيا وحصارها على مدى عقود ثلاثة، هو الترجمة العمليّة للمهانة التي تعرّضت لها الأخيرة، فإن الصين تتحدّث عن «قرن المهانة»، الذي بدأ مع «حرب الأفيون» البريطانية ضدّ بكين، وانتهى بوصول الشيوعيين إلى السلطة في عام 1949.
غير أن بقاء تايوان خارج حضن الوطن الأمّ، نتيجة لموازين القوى الدولية التي جرت في سياقها عملية تحرُّر الصين من الاستعمار والهيمنة، مثّل دوماً – من منظور بكين – أحد آثار ذلك الزمن الذي ترقى إزالته إلى مرتبة «الالتزام الذي لا يتزعزع»، بحسب الرئيس الصيني.
لا يعني ما تَقدّم أن الصين ستلجأ إلى القوة المسلّحة لاستعادة وحدتها الترابية كخيار أوّل، لكنها ستمنع، ولو بالقوّة، أيّ تشجيع للنزعات الانفصالية فيها. الرئيس الأميركي، جو بايدن، يدرك أن تحذير نظيره الصيني، إيّاه، من «اللعب بالنار في شأن تايوان»، في محادثتهما الهاتفية قبل أيّام، لم يكن من قبيل المبالغة. غير أن الولايات المتحدة مصرّة على استفزاز الصين، تماماً كما فعلت مع روسيا.
هذا ما يفسّر «هفوة» بايدن عن الالتزام بالدفاع عن تايوان منذ أكثر من شهر، وهو أيضاً سبب الزيارة المحتملة لرئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إليها. إصرار على الاستفزاز يقابله إصرار على إزالة آثار المهانة الاستعمارية، عبر مواجهة أيّ تشجيع للتوجّهات الانفصالية في تايوان، تمهيداً لإعادة توحيدها مع الصين عندما تسنح الظروف.
يلخص تييجون زانغ، أستاذ العلاقات الدولية في معهد شنغهاي العالمي، في مقال على موقع «ذي ديبلومات»، بعنوان «الصين ليست روسيا وتايوان ليست أوكرانيا»، المقاربة الصينية للمسألة التايوانية بدرجة عالية من الدقّة.
بعد أن يستعرض الفوارق بين موقع كلّ من الصين وروسيا في الاقتصاد العالمي، وحجم المصالح المشتركة بين كلّ من البلدين وبين الغرب، يشير زانغ إلى أن الصين، على عكس روسيا التي تواجه خطراً وجودياً ناجماً عن وصول «الناتو» إلى حدودها، غير مضطرة للتدخّل عسكرياً في تايوان لإنجاز عملية التوحيد قسرياً.
هو يعتقد أصلاً بأن بكين «لم تكن متسرّعة لإعادة التوحيد بوسائل سلمية أو بالقوّة. رهانها الأفضل كان على صعودها المستمرّ. وعندما ستصبح المجابهة العسكرية معها مرتفعة الكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ستوافق تايوان على إعادة الانضمام إليها وفقاً لشروطها، وسيتحقّق الانتصار من دون قتال».
هذا هو المنطق الذي حكم، خلال العقود الماضية، سياسة الصين حيال تايوان، لكن واشنطن لم تتوقّف، سرّاً في الماضي، وعلناً في الوقت الراهن، عن تشجيع النزعة الانفصالية في الجزيرة. وهي تسعى إلى توظيف الأزمة الأوكرانية والتهويل بإمكانية الاجتياح الصيني لها لتعبئة قطاعات الرأي العام فيها لصالح الخيار الانفصالي.
التذكير بضرورة استكمال الوحدة الترابية للصين، هو لازمة في الخطاب السياسي الصيني، لكنّه يصوَّر اليوم على أنه تمهيد للتدخّل العسكري في تايوان، من قِبَل واشنطن والنُخب المرتبطة بها في تايوان.
منذ أواخر التسعينيات، عملت الحكومات التايوانية المتعاقبة على خلْق هوية «تايوانية خاصة» وتعزيزها، على حساب الانتماء المشترك مع بقية الصينيين، بدعم كامل من واشنطن.
ولا شكّ في أن الصلات الاقتصادية والتكنولوجية القوية بين الجزيرة وبلدان الغرب، والدور المركزي الذي تلعبه الأولى في قطاع صناعة أشباه الموصلات الحيوي، وانعكاسات ذلك الواقع على مستويات معيشة سكّانها ونمط الحياة والثقافة السائدة في ما بينهم، قد وسّع القاعدة الاجتماعية لأنصار «خصوصية تايوان».
غير أن التصريحات العلنية وغير المسبوقة لبايدن عن الدفاع عن الجزيرة في مواجهة التهديد الصيني، وأيضاً الزيارة – التحدّي التي قد تقوم بها بيلوسي، يمثّلان نقلة نوعية في مستوى تحريض أنصار الانفصال على رفع سقف مواقفهم.
لم يتردّد المتحدّث باسم وزارة الدفاع الصينية، تان كيفي، في 26 يوليو الماضي، في الإعلان عن أن «الجيش الصيني لن يقف مكتوف الأيدي إذا زارت نانسي بيلوسي تايوان، وسيتّخذ إجراءً حاسماً لكبح التدخل الخارجي».
الخطّ الأحمر بالنسبة إلى بكين هو شرعنة انفصال تايوان من قِبَل واشنطن، ولو بشكل تدريجي، تماماً كما كان ضمّ أوكرانيا إلى«الناتو»، ولو من دون الإعلان الرسمي، خطّاً أحمر لموسكو. عدم احترام الخطوط الحمر للأمم العريقة العائدة، كثيراً ما يقود إلى الحرب.

* د. وليد شرارة كاتب وباحث لبناني في العلاقات الدولية

المصدر: الأخبار – بيروت

موضوعات تهمك:

جولة بيلوسي الآسيوية وعواقب محطة خامسة في تايوان

قد يعجبك ايضا