معضلة محاكمة ترامب.. ومعضلة عدم محاكمته!

محمود زين الدين20 سبتمبر 2022آخر تحديث : منذ أسبوعين
محمود زين الدين
صحافة و آراءمميزة
Ad Space
ترامب

نجح ترامب منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2015 في تحصين نفسه من أي محاسبة على أخطاء أو سقطات أخلاقية أو سياسية.
لو ثبت ارتكاب ترامب مخالفات قانونية تستوجب محاسبته لابد من المخاطرة واعتباره مواطنا عاديا لا يتمتع بحصانة، ومن ثم إخضاعه لإجراءات منظومة العدالة.
لابد أن يكون غارلاند واثقا جدا من إدانة ترامب قبل تقديم لائحة اتهام ستكون مزلزلة ومخاطرة هائلة لكن الخطر أكبر إذا استبعدت خوفا من تداعياتها.
تتكرر عبارة «لا أحد فوق القانون» بأمريكا دائما عند توافر شكوك في ارتكاب أحد كبار المسئولين أو أفراد عائلاتهم مخالفات أو جرائم يحاسب عليها القانون.
إجراءات مواجهة ترامب قانونيا مغامرة سياسية لا بد أن يقوم بها وزير العدل في نهاية المطاف وسيكون لها نتائج مزلزلة على الحياة السياسية الأمريكية الآن ومستقبلا.
يخضع المبدأ القانوني وسيادة القانون لاختبار عسير مع زيادة متاعب قانونية يواجهها ترامب وأصبح سيناريو محاكمة رئيس سابق ومرشح محتمل لانتخابات 2024 يشغل الكثير.
* * *

بقلم: محمد المنشاوي
«لا أحد فوق القانون»، تتكرر هذه العبارة في الولايات المتحدة دائما عند توافر شكوك في ارتكاب أحد كبار المسئولين أو أفراد عائلاتهم مخالفات أو جرائم يحاسب عليها القانون.
ويعج التاريخ الأمريكى بالكثير من أعضاء مجلسى النواب والشيوخ ممن تم إدانتهم في جرائم جنائية وعليه قضوا سنوات وراء القضبان.
كان الجنرال الشهير ديفيد بتريوس، قائد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية CIA، أحد آخر كبار هؤلاء المسئولين الذين تم محاكمتهم وإدانتهم عام 2015.
فقد حكم عليه قاضٍ فيدرالى بالإدانة لتقديمه معلومات سرية إلى صديقته الحميمة، وأصدر القاضى حكما بمراقبته لمدة عامين، بالإضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف دولار.
إلا أن المبدأ القانوني وسيادة القانون نفسها تخضع لاختبار عسير على يد الرئيس السابق دونالد ترامب. فمع زيادة المتاعب القانونية التى يواجهها ترامب، أصبح سيناريو محاكمة الرئيس السابق، والمرشح المحتمل للرئاسة في انتخابات 2024، تشغل بال الكثير من الشعب الأمريكى.
* * *
يصعب على الكثير ممن ينتمون للحزب الجمهورى، خاصة من يدينون بالولاء المطلق لترامب، وتقدر أعدادهم بعشرات الملايين من الناخبات والناخبين الذين لا يزالون يؤمنون بأنه فاز بانتخابات 2020، لكنها سُرقت منه، تخيل وضع ترامب في قفص الاتهام.
لكن في الوقت ذاته، لو ثبت ارتكاب ترامب مخالفات قانونية تستوجب التحرك ضده، لا يمكن إلا المخاطرة واعتبار ترامب مواطنا عاديا لا يتمتع بأى حصانة، ومن ثم إخضاعه لإجراءات منظومة العدالة الأمريكية المستقلة.
«لقد حان الوقت لوضع نهاية لهذه التحقيقات وأى تحقيقات أخرى تتعلق بهذه القضية، تحقيقات ووترجيت لا تستحق المزيد من الوقت». كانت تلك كلمات الرئيس ريتشارد نيكسون قبل إعلانه الاستقالة ومغادرة البيت الأبيض قبل بدء التصويت على عزله.
ودفع الكشف عن تسجيلات تتضمن أدلة دامغة سربها أحد المسؤولين بالبيت الأبيض وتتضمن إدانة للرئيس نقطة فاصلة في موقف الحزب الجمهورى. وكان نيكسون قد خالف القانون بتوجيهه أمرا لمساعديه بضرورة التغطية وعرقلة جهود إف بى آى، وسى آى إيه، في التحقيقات المتعلقة بالتجسس على الحزب الديمقراطى.
عقب ذلك زار ثلاثة من كبار قادة الحزب الجمهورى البيت الأبيض، وهم النائب جون رودس والسيناتور هيو سكوت والسيناتور جولد ووتر، بهدف إخبار الرئيس نيكسون أن الأوضاع في مجلسى الكونغرس غير جيدة على الإطلاق وتتجه للأسوأ.
فهم الرئيس نيكسون أن الحزب الجمهورى سيتجه للتخلى عنه، وسيختار التصويت لإقالته، واضطر للاستقالة. لكن الأمر يختلف تماما اليوم بسبب طبيعة شخصية دونالد ترامب الذى نجح منذ ظهوره على الساحة السياسية الأمريكية عام 2015 في تحصين نفسه من أي أخطاء أو سقطات أخلاقية أو سياسية.
* * *
تتصاعد الضغوط على ميريك غارلاند المدعى العام الأمريكى (وزير العدل) لتوجيه اتهامات لدونالد ترامب في قضية عرقلة عمل الكونغرس بدعوة أنصاره للتدخل لمنع التصديق على نتائج الانتخابات في السادس من يناير 2021، ومحاولاته قلب نتائج الانتخابات بطلبه غير الشرعى من مسؤولي الانتخابات في ولاية جورجيا تغيير النتائج النهائية، والتى أقرت بفوز منافسه جو بايدن.
وإضافة لذلك هناك التحقيقات الجارية عقب اقتحام وتفتيش منزل ترامب الصيفى في ولاية فلوريدا والعثور على صناديق تحتوى ملفات ووثائق سرية لم يكن لها أن تخرج من البيت الأبيض.
* * *
فى مؤتمر صحفى قبل أسبوع، أكد غارلاند أنه «لا يوجد شخص فوق القانون في هذا البلد»، إلا أنه وفى ظل غياب سوابق تاريخية بمحاكمة أى رئيس أمريكى، حالٍ أو سابق، على جريمة فيدرالية، ناهينا عن إدانته، إضافة لرغبة ترامب في الترشح من جديد لمنصب الرئاسة، يُصعب بشدة من مهمة وزير العدل.
وسيدفع وضع الرئيس المقبل المحتمل في قفص الاتهام قبل الانتخابات إلى المخاطرة بنشوب أعمال عنف على نطاق واسع يُسهل منه امتلاك الملايين من الشعب الأمريكى لمختلف أنواع الأسلحة النارية.
خلال بث جلسات الاستماع الخاصة بتحقيقات 6 يناير حيث قام أنصار ترامب باقتحام الكونغرس، استمع الشعب الأمريكى إلى شهادات تجرم ترامب، وعددا من كبار مساعديه. واعترف بعض مساعدى ترامب بالضلوع في مؤامرة لتخريب نتائج الانتخابات، وتم إبلاغ ترامب طبقا لهؤلاء الشهود أن خطته غير دستورية وأنه قد سمع ذلك بوضوح.
* * *
كما قال الفيلسوف الأمريكى رالف والدو إيمرسون في بداية القرن التاسع عشر، «عندما تضرب ملكا، يجب أن تقتله»، وهى نصيحة تجاهلها الحزب الديمقراطى تماما مرتين في محاولتيه الفاشلتين لمحاكمة ترامب برلمانيا وعزله، وهو ما كان له نتائج عكسية.
ويدرك خبراء الشأن الأمريكي أنه لم تكن هناك أى فرصة أبدا لعزل ترامب من منصبه، وبدلا من إلحاق الأذى به سياسيا، ارتفعت نسب شعبيته إلى أفضل مستوياتها. يكرر ترامب مقولة إنه «يقاتل بيروقراطية ونخبة واشنطن، وهم يكرهوننى بسبب ذلك».
من هنا تعد إجراءات مواجهة ترامب قانونيا مغامرة سياسية لا بد أن يقوم بها وزير العدل غارلاند في نهاية المطاف، وسيكون لها نتائج زلزالية على الحياة السياسية الأمريكية الآن ومستقبلا.
ولا بد أن يمتلك وزير العدل القرائن والدلائل الداعمة لتوجيه إدانات رسمية لترامب، في الوقت الذى يجب عليه كذلك وعلى البيت الأبيض، إدخال الحسابات السياسية في عملية اتخاذ القرار.
ولابد أن يكون غارلاند شديد الوثوق من إدانة ترامب قبل أن يقدم أى لوائح اتهام. لائحة اتهام ترامب ستكون زلزالية، وستكون مخاطرة كبيرة جدا. لكن سيكون الخطر أكبر إذا تم استبعادها خوفا من تداعياتها.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر: الشروق – القاهرة

موضوعات تهمك:

استفتاء على «ترامب»!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة