لماذا يقامر بايدن بمستقبل أوروبا؟

محمود زين الدين28 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
محمود زين الدين
صحافة و آراءمميزة
Ad Space
بايدن

كشفت أزمة أوكرانيا ليس فقط اندفاع الغرب إلى الحرب بل أيضا هشاشة النظام الأوروبي.
تستمدّ أوروبا قوتها ظاهرياً من قوة اقتصادها، و”القيم المشتركة” للنظام الليبرالي القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
الأميركيون تيقّنوا فقدانَهم السيطرة على النظام القديم، لذلك دفعوا الروس إلى حرب في أوكرانيا،على أمل أن تؤدي إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
أدرك الغرب خطورة إدخال أوكرانيا بالناتو ولم يكن ينوي ذلك لكنه أراد استفزاز روسيا بعدم رفض ضمّ أوكرانيا علانية فالحرب كانت أمراً مرغوباً من الغرب.
أوكرانيا لم تكن مجرد دولة بأوروبا بل قاعدة متقدمة للغرب والأميركيين بخاصة واستثمر فيها موارد عسكرية وبيولوجية كثيرة اعتقادًا أنها بمأمن من “الغزو” الروسي!
* * *

بقلم: ليلى نقولا
في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” في العشرين من آذار/مارس، انتقد زيلنسكي الحلفاء الغربيين وتعاملهم مع أوكرانيا “في ضوء التهديدات الروسية لبلاده المستمرة منذ سنوات”، مؤكّداً أنهم تهرَّبوا من إدخال أوكرانيا في حلف الناتو. ولو قبلوا ذلك في الوقت الملائم لَما تعرّضت بلاده للحرب.
وقال زيلنسكي: “طلبت منهم شخصيّاً أن يقولوا، بصورة مباشرة، إننا سنقبل انضمامكم إلى الناتو خلال عام أو عامين أو خمسة… وكان الرد واضحاً جداً: لن تكون أوكرانيا عضواً في الناتو أو الاتحاد الأوروبي، لكن الأبواب ستبقى مفتوحة في العلن”.
هذا الحديث الصريح من زيلنسكي، يشي بأن الغرب كان يدرك مدى خطورة إدخال أوكرانيا في الناتو، ولم يكن ينوي القيام بهذه المغامرة، لكنه أراد استفزاز روسيا بعدم قبول عدم ضمّ أوكرانيا علانية، أي أن الحرب كانت أمراً مرغوباً ومطلوباً من جانب الغرب.
وهكذا، يبدو أن أوكرانيا لم تكن فقط مجرد دولة في أوروبا، بل هي قاعدة متقدمة للغرب، وللأميركيين بصورة خاصة، وتمّ استثمار كثير من الموارد العسكرية والبيولوجية فيها، بسبب الاعتقاد أنها ستكون بمأمن من “الغزو” الروسي، وأن هناك استحالة تغيير الحكم فيها وإعادته إلى ما كان عليه في الأعوام التي سبقت 2014، وجعلها الغرب أداة لاستفزاز الروس في عقر دارهم، وفي عمق مجالهم الحيوي.
كشفت هذه الأزمة وتصريح زيلنسكي، ليس فقط الاندفاع الغربي إلى الحرب، لكنهما كشفا هشاشة النظام الأوروبي. تستمدّ أوروبا قوتها ظاهرياً من قوة اقتصادها، وما يسمى “القيم المشتركة” للنظام الليبرالي القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
الازدهار الاقتصادي
سيكون الازدهار الاقتصادي والأمن والاستقرار، التي يتمتع بها الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الضحية الأولى لهذه الحرب في أوكرانيا. لقد شكّلت أزمة كورونا المنعطف الأول الذي واجه الدول الأوروبية، بحيث اندفعت كل دولة إلى الحمائية والأنانية القوميتين على حساب الآخرين. واليوم، تأتي الحرب في أوكرانيا وأزمات الطاقة والتضخم واللاجئين، لتُضيف مشاكل إلى المشاكل الموجودة، والمتأتية من فترة ما بعد كورونا.
تعترف عدة دول أوروبية بأن حظر الطاقة الروسية سوف يؤدي إلى نتائج كارثية على اقتصاداتها. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأميركيين والبريطانيين يزايدون في ذلك، ويدعون الدول الاوروبية إلى حظر الطاقة الروسية، على الرغم من كل المخاطر التي يمكن أن ترافق هذا القرار.
وكان كثيرون من خبراء الطاقة حذّروا قادة الاتحاد الأوروبي من عواقب “كارثية” على أسواق النفط والغاز العالميَّين، إذا نفّذت الولايات المتحدة تهديداتها بفرض حظر على صادرات الطاقة الروسية.
توقع هؤلاء أن تؤدي هذه الإجراءات إلى زيادة قدرها عشرة أضعاف في سعر المتر المكعب من الغاز الطبيعي، وأن يصل سعر برميل النفط إلى 300 دولار أميركي. وحذّر الروس من أنهم قد يُوْقِفون إمدادات الغاز عبر “نورد ستريم 1” ويامال، في حال تمّ اتخاذ خطوات تصعيدية كهذه.
إن قراراً خطيراً كهذا، سيكون وقعه على أوروبا أخطر من قرار الحرب ذاته، لأنه سيؤدي إلى انهيار مالي وفوضى سياسية وتجزئة جغرافية، على أساس قومي من جديد.
إن الاندفاعة الأوروبية وراء الأميركيين، في زيادة استفزاز الروس وحظر الطاقة، ستكون وصفة دمار لأوروبا، وقد لا يكون متاحاً أمام الأميركيين القيام بخطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب هذه المرة بسبب اختلاف الظروف والتحالفات، ونتيجة انعدام اليقين بنتائج الحرب.
القيم العالمية المشتركة
يوماً بعد يوم، تتساقط القيم الليبرالية، التي لطالما تغنّى بها الغرب، إذ تحوّلت وسائل التواصل الغربية ووسائل الإعلام إلى الرقابة ومنع الصوت الآخر، واستبداد الصوت الواحد (التيار السائد)، بالإضافة إلى سيادة منطق الحرب على كل ما عداه من دعوات الحوار، بحيث يُتَّهم مطلقوها بأنهم أدوات بروباغندا روسية.
لقد سقطت أقنعة التسامح والحريات والتعاطف الإنساني، وباتت الوسائل الغربية ممتلئة بخطابات عنصرية صريحة، وتفضيل الإنسان “المسيحي”، “ذي الشعر الأشقر والأزرق العينين” على اللاجئين الآخرين، والذين يتم وصفهم بعدم التحضّر، بالإضافة إلى التمويل والتقوية للحركات اليمينية المتطرفة، والنازية الجديدة، والحركات الفاشية.
وهكذا، نكتشف أن الغربيين تعمّدوا استفزاز الروس عبر رفض القبول علناً للطلب الروسي بشأن عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، على الرغم من أنهم يدركون خطورة الأمر، فتسببوا بالحرب من أجل إغراق روسيا في أوكرانيا، بالرغم من كل الأخطار والمشاكل التي يمكن أن تتأتّى نتيجة ذلك.
إن حديث جو بايدن مؤخراً، عن أن هناك “نظاماً دولياً جديداً” تتم صياغته الآن، قائلاً “الآن هو الوقت الذي تتغير فيه الأشياء، وسيكون هناك نظام عالمي جديد وعلينا قيادته”، يعني أن الأميركيين تيقّنوا فقدانَهم السيطرة على النظام القديم. لذلك، دفعوا الروس إلى حرب في أوكرانيا، على أمل أن تؤدي تلك الحرب إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإمساكهم خيوطَ اللعبة مجدداً. لغاية الآن، يبدو الأوروبيون خاسرين بمقدار الخسارة الروسية، إن لم يكن أكثر، ويبدو أن الأميركيين يقامرون بمستقبل أوروبا في محاولة منهم لإعادة هيمنتهم على العالم. لكن، ماذا لو انقلب السحر على الساحر، واستطاع الروس أن يحققوا إنجازاً في هذه المعركة، استراتيجياً وعسكرياً، وقلبوا قواعد اللعبة؟
* د. ليلى نقولا أستاذة العلاقات الدولية بالجامعة اللبنانية
المصدر: الميادين

موضوعات تهمك:

بايدن وبوتين.. عندما يعجز القوي في الحرب

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة