لا تخذلوا إدريس

المغرب له تاريخ في حماية اللاجئين، كونه المغرب الأقصى والأبعد عن عواصم الحكم في المشرق.

لم يخطر في بال إدريس أن السلطات المغربية بيقظتها الأمنية ستوقفه وتسجنه وهي فعلت ذلك استجابة لطلب “الإنتربول”

منذ تحقق استقلال المغرب عن الخلافة في المشرق بفضل لاجئ، واليوم على المغرب ألا يخذل إدريس كما لم يخذل إدريس الأول.

يواجه الناشط الإيغوري إدريس حسن (يدريسي إيشان) خطر الترحيل إلى الصين سيما بعد الحكم الصادر عن محكمة النقض المغربية القاضي بإمكانية تسليمه!

تسليم إدريس حسن للصين يعرّضه لانتهاكات جسيمة وتعذيب من دولةٍ لا تأبه بالعالم وهي تبيد شعب الإيغور الذي ما زالت محنته مستمرة على مرأى ومسمع من الجميع.

* * *

بقلم: عمر المرابط

منذ اعتقلته السلطات المغربية في شهر يوليو/ تموز الماضي بموجب “نشرة حمراء” صادر عن المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (إنتربول) في 13 مارس/ آذار 2017، تم تعليقه لاحقا في أغسطس/ آب 2021، يواجه الناشط الإيغوري إدريس حسن (يدريسي إيشان) خطر الترحيل إلى الصين، سيما بعد الحكم الصادر عن محكمة النقض المغربية القاضي بإمكانية تسليمه!
وهذا دفع منظمات حقوقية عديدة وخبراء حقوقيين تابعين للأمم المتحدة إلى الدعوة لوقف تسليمه، خشية تعرّضه لانتهاكات جسيمة وتعذيب من دولةٍ لا تأبه بالعالم كله، وهي تبيد كل شعب الإيغور، والذي ما زالت محنته مستمرة على مرأى ومسمع من الجميع، وفي تجاهل تام لهذه القضية، اللهم إلا مناشدات من هنا أو هناك من المنظمات الحقوقية الدولية.
وفي غياب شبه كامل لأي ردود فعل قوية من الدول الكبرى التي تنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي، وخصوصا تلك التي تدّعي ريادة العالم الإسلامي وقيادته.
يقول الخبراء الدوليون، في بيانهم المنشور على موقع الأمم المتحدة: “نشعر بقلق بالغ إزاء قرار محكمة النقض المغربية الصادر اليوم، والذي يسمح بتسليم السيد آيشان إلى الصين، على الرغم من وجود خطر حقيقي بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوقه الإنسانية، بسبب انتمائه إلى أقلية عرقية ودينية، ولانتمائه المزعوم إلى منظمة إرهابية”.
كما أن منظمة العفو الدولية اعتبرت أن تسليم المغرب إدريس حسن، إن تم لا قدر الله، سيوازي خرق مبدأ عدم الإعادة القسرية، ويعدّ هذا المبدأ، حسب تعريف أحد رجالات القانون، في مقال منشور على موقع “عالم القانون” المغربي، أساسيا في قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ويشكل قاعدة جوهرية من قواعد قانون اللاجئين.
وهو يقضي بعدم جواز إعادة الشخص طالب اللجوء، تحت أي ذريعة كانت، من دولة الملجأ، إلى البلد الذي يكون فيه معرّضا للاضطهاد.
لا تدخل هذه المقالة في الاعتبارات القانونية، وتتركها لأهل الاختصاص، لكن الضمير الحي الإنساني يدعو كل الضمائر الحية إلى الوقوف بجانب هذا الرجل المظلوم، ناهيك عن الأخوّة في الدين، ونخوة الجوار المعروفة عند العرب قديما الذين كانوا لا يسلّمون من استجار بهم، ويفدونه بأموالهم وأنفسهم، ولا يرضون أن يخفر جوارهم، وكانوا يعتبرونها قضية كبيرة، بل افتخروا بهذا حتى قال شاعرهم السموأل:
تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا/ فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا/ عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ
وهذا رجل قدم إلى المغرب، وهو في طريقه إلى أوروبا، ظانّا أنه في مأمن، ولو اعتقد غير ذلك لما أتى، ولبقي في تركيا حيث يعيش منذ سنوات مع زوجته وأبنائه. لم يخطر في باله أن السلطات المغربية، بيقظتها الأمنية، ستوقفه وتسجنه، وهي فعلت ذلك استجابة لطلب “الإنتربول”. ولكن المغرب في وسعه إيجاد ذريعة بعدم التسليم، خروجا من هذا المأزق الذي يجعل المغرب بين ضغوط المجتمع المدني، المغربي والدولي، وضغوط دولة عضو في مجلس الأمن، هو في حاجة إلى تحييدها في قضيته الوطنية.
للمغرب تاريخ في حماية اللاجئين، كونه المغرب الأقصى والأبعد عن عواصم الحكم في المشرق، ما جعله ملاذا يهرُب إليه المضطهدون، ويلتجئ إليه المستضعفون، فيجدون سعةً بين سكانه وأهله، كيف لا والدولة المغربية نفسها أسّسها لاجئ سياسي.
نعم، لقد أسّست الدولة المغربية منذ 12 قرنا على يد لاجئ سياسي اسمه إدريس. إنه المولى إدريس الأول كما يسمى عند أهل المغرب، فرّ من بطش العباسيين في موقعة فخ الشهيرة سنة 169 هجرية (786 ميلادية) التي نكلت بأهل البيت، ليجد كل الترحاب من الأمازيغ.
أجاروه وحمَوه، ثم اختاروه ليكون قائدهم وإمامهم عندما عرفوا قدره ومكانته ونسبه، ولما اغتيل تاركا زوجته حاملا، لم يغدروا بل انتظروا المولود الذي سمّي باسم أبيه، ثم نصّبوه وبايعوه. ومنذئذ، تحقق استقلال المغرب عن الخلافة في المشرق بفضل لاجئ، واليوم، على المغرب ألا يخذل إدريس كما لم يخذل إدريس الأول.

* عمر المرابط كاتب وباحث مغربي

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

موسم الهجوم على الإسلام

قد يعجبك ايضا