“كاريش”: حقل كل الصفقات

“كاد المريب أن يقول خذوني”!
يمكن توقّع تغليب الحسابات والأغراض الصغيرة والذاتية لمسؤولين لبنانيين في هذه القضية الكبرى، خاصة في ظل انهيار البلد.
تبدأ حسابات المسؤولين من المساومة والمقايضة على ملفات جرمية وقضائية ولا تنتهي عند المغانم المالية، باعتبار أن لكل موقف “ثمن”.
لأن منطقتنا عموماً ولبنان منها معتادة على العيش والتعامل وفق شريعة الغاب وأقصى التوحش، فقد بدا الأمر أكثر من غريب: بدا مريباً!
لم يصدر حتى الآن تعديلٌ رسميٌ للمرسوم 6433، يودَع لدى الامم المتحدة وتُبلّغ به، ويعلِن حيثيات ربط النزاع الذي يتضمن ساعتها حقل “كاريش” ذاك.
لم يصدر حتى الآن تعديلٌ رسميٌ للمرسوم 6433، يودَع لدى الامم المتحدة وتُبلّغ به، ويعلِن حيثيات ربط النزاع الذي يتضمن ساعتها حقل “كاريش” ذاك.
* * *

بقلم: كاريش
فجأة صار الجميع مهذباً، نظامياً، يطبّق الأصول والقوانين. ولأن منطقتنا عموماً – ولبنان منها – معتادة على العيش والتعامل وفق شريعة الغاب وأقصى التوحش، فقد بدا الأمر أكثر من غريب: بدا مريباً!
إسرائيل أولاً. هذه تصرّح بهدوء على لسان بيني غانتس، وزير حربها ، بأن ” منصة الغاز وصلتْ إلى المنطقة الاقتصادية الإسرائيلية وليس إلى منطقة متنازع عليها. وستتم تسوية الخلاف بين إسرائيل ولبنان على المناطق المتنازع عليها في البحر المتوسط عبر المفاوضات الجارية بوساطة أميركية، وهي محادثات غير مباشرة”. انتهى.
والمنصة الهائلة تلك والمصنوعة خصيصاً للمهمة، تموضعت في المكان المقرر لها قبالة رأس الناقورة، ويمكنها بدء العمل بعد شهرين على الأكثر، ويمكنها الحفر بشكل مائل وحتى بشكل أفقي واستخراج الغاز وإسالته وتخزينه بكميات كبيرة (بقدرة معالجة تبلغ 800 مليون قدم مكعب في اليوم (أو 8 مليار متر مكعب سنوياً، وسعة تخزين السوائل لديها تبلغ 800 الف برميل)، وقد أُنجز منذ مارس الماضي ربط الحقل بخط الغاز الإسرائيلي. انتهى أيضاً!
لبنان ثانياً. ما القصة؟ في العام 2009 حددت حكومة فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة آنذاك، الحدود بخط 23 البحري، ثم أودعت حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 النقطة لدى الأمم المتحدة، عبر مرسوم يحمل الرقم 6433، وقُدّرت بـ860 كلم مربع.
ومذّاك لم يجرِ تعديل المرسوم الذي صار شهيراً، ولم تُبلَّغ الأمم المتحدة بأي شيء، وتحوّل الجدل الدائر في لبنان إلى ثرثرة ومهاترات، رغم تقديم الجيش اللبناني إحداثيات جديدة تشير إلى أن الخرائط السابقة التي استند إليها المرسوم خاطئة، وتعتبر أن المساحة المتنازع عليها تتضمن الحقل الذي أسمته إسرائيل “كاريش” وحتى الخط 29، فتصبح مجمل المساحة 2290 كلم مربع. سوى أن تعديل المرسوم يتطلب توقيع رئيس الجمهورية عليه ومعه الوزراء المختصين.
وقد وقّع الأخيرين في حكومة حسان دياب، ولكن توقيعهم صار نافلاً لأنهم باتوا بلا صفة طالما أن رئيس الجمهورية رفض التوقيع آنذاك.. وما زال إلى اليوم. إذاً لم يصدر حتى الآن تعديلٌ رسميٌ للمرسوم 6433، يودَع لدى الامم المتحدة وتُبلّغ به، ويعلِن حيثيات ربط النزاع الذي يتضمن ساعتها حقل “كاريش” ذاك.
بل جرى منذ 2011 وبشكل متكرر ومتعمَّد اخفاء وتجاهل تقرير يمكن الاستناد إليه للدفاع عن حقوق لبنان، أصدرته وكالة بريطانية رسمية، تعمل مع وزارة داخلية بلادها (UKHO)، وهي مختصة عالمياً بشؤون الترسيم البحري، وكانت الدولة اللبنانية قد كلفتها بالدراسة وصرفت لها أموالاً ضخمة.
والتكليف بدأ في العام 2002، وكان المطلوب إعداد دراسة حول كيفية ترسيم حدود المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتالياً المسح الجيولوجي عن النفط والغاز بهذه المنطقة، قبل أن يصطدم بعدم توفر خرائط بحرية دقيقة للمنطقة الفاصلة بين جنوب لبنان وشمالي فلسطين المحتلة، وينكّب على العمل عليها.
الغاز الإسرائيلي
وقد وصل التهذيب والهدوء الى حد الإدلاء بتصريحات هي تحديداً ما يوصف بـ”اللغة الخشبية” التي يُلجأ اليها عادة للتمويه والتسكين، أو كما يقول المثل الفرنسي لـ”إغراق السمكة في الماء”: أصدر المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية، أن “رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بحث خلال اتصال هاتفي مع رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الخطوات الواجب اتباعها لمواجهة المحاولات الإسرائيلية لافتعال أوضاع تؤدي إلى توتر في المنطقة البحرية الحدودية”.
وأن الرئيس توافق مع ميقاتي على “دعوة الوسيط الأميركي في موضوع المفاوضات السفير أموس هوكشتاين للمجيء إلى بيروت والبحث في استكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية الجنوبية التي كانت توقفت قبل مدة، والعمل على انهائها في أسرع وقت ممكن”، واعتبر الرئيسان بأن “تحريك المفاوضات من جديد يمنع حصول أي تصعيد يسيء الى الاستقرار في المنطقة.
كما تم الاتفاق على سلسلة خطوات دبلوماسية مع الدول الكبرى والأمم المتحدة للتأكيد على موقف لبنان المتمسك بحقوقه وثروته البحرية”.
لكن تعديل المرسوم لم يصدر!
وأما حزب الله فهو ينتظر أن يحدث “التوافق الوطني العام”، وفي الأثناء يضع نفسه بتصرف الدولة اللبنانية التي يَطلب منها أن “تُعلن بشكل رسمي وواضح الحدود، وقناعتها بالحدود، وما هي الحدود، وما هي المناطق المتنازَع عليها، ليجتمع عندها اللبنانيون بمقاومتهم وجيشهم وشعبهم وعزمهم، ويأخذوا حقوقهم من قلب البحر وعمقه”.
ولأنه طبعاً لا بدّ من إضافة، قيل: “إن أرادت أميركا أو لم ترد”. ثم عودة الى التأكيد بأن “وحدة اللبنانيين كفيلة بحل الأزمات والمعضلات السياسية والإقتصادية التي يعانون منها”، ومعها اضافة ثانية ضرورية (ولعلها احترازية): “خيار المقاومة هو الخيار القوي الفاعل الذي يستطيع لبنان من خلاله حفظ ثرواته وصيانة انتصاراتنا”..
وتابع رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، السيد هاشم صفي الدين: “كما في النفط والغاز، حينما نريد أن نعالج أزمات كبيرة، فنحن بحاجة للإرتقاء والإجتماع لحل كل المشاكل، وهذا ما ندعو إليه دائماً”.
أمريكا ثالثاً: آلت الى خبير شؤون الطاقة والدبلوماسي الامريكي أموس هوكشتاين – وهو مواطن إسرائيلي قبل ذلك – تولّي مهمة التوسط بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية، بعد جولات بدأت منذ مطلع الألفية الجديدة، إرتبطت باسم فردريك هوف، الموفد الأمريكي الخاص إلى سوريا ولبنان.
تقدّم هوكشتاين بعرضٍ الى لبنان في مارس الفائت يقضي باعطاء حقل “كاريش” كاملاً لإسرائيل وفق منطق التفاوض على حل شامل يتم فيه تبادل الحقول وما شابه.
ويبدو أن الوسيط، الذي جرى استدعاؤه الآن على عجل بعد وصول المنصة “انرجيان باور” إلى موقعها، يعتبر أن موضوع الخط البحري 29 محسوماً. ولا تبدو واشنطن قلقة مما يشار إليه كتوتر محتمل، ولعلها تنتظر سياق مفاوضات الملف النووي الإيراني المتعثرة لترى إن كان هناك موجبٌ للاكتراث. كما لديها ملفات عديدة أخرى في المنطقة نفسها تشغلها، وإسرائيل كانت دوماً وستبقى أولوية في حساباتها.
خلاصة – وهي بالتأكيد مؤقتة: يمكن توقّع تغليب الحسابات والأغراض الصغيرة والذاتية لمسؤولين لبنانيين في هذه القضية الكبرى، خاصة في ظل انهيار البلد. وهي تبدأ من المساومة والمقايضة على ملفات جرمية وقضائية ولا تنتهي عند المغانم المالية، باعتبار أن لكل موقف “ثمن”.
وقد يكون السعي لـ”تقريش” المواقف وهمٌ خالص لدى أصحابه بالنظر إلى سطوة إسرائيل وأمريكا، وهو ما سيكون رصده “مسلياً”. كما يندرج لبنان أكثر من أي وقت مضى من تاريخه كمعطى من بين حسابات عديدة تخص كل المنطقة، من إيران إلى تركيا إلى الخليج إلى سوريا.
وفيها كلها هي الأخرى مساوماتٍ وتقلباتٍ لا حصر لها. وقد يعني هذا أن مسار الإهانة والانحدار لم يبلغ بعد منتهاه، كما قد يعني استخدام لبنان في مواجهات مدمِّرة..
* نهلة الشهال أستاذة وباحثة في الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير “السفير العربي”

المصدر: السفير العربي

موضوعات تهمك:

إسرائيل تتحسّب لاستهداف منصة استخراج الغاز بحقل “كاريش”

قد يعجبك ايضا