فيلم أوسلو وقوة خطاب المنتصر

الساعة 254 أكتوبر 2022آخر تحديث : منذ شهرين
الساعة 25
صحافة و آراء
Ad Space
فيلم أوسلو

بقلم: ناصر دمج

في مثل هذا اليوم 13 أيلول، وبمناسبة توقيع اتفاق إعلان المبادى الفلسطيني الإسرائيلي لإنشاء سلطة الحكم الذاتي الإداري المؤقت في غزة وأريحا، الذي عرف باتفاق أوسلو، ووقع في العاصمة الأمريكية واشنطن بتاريخ 13 أيلول 1993م، أجدد نشر ما لدي من معلومات، وما يستجد ويستحدث منها حول الموضوع نفسه.
مؤخراً شاهدت فلم “أوسلو -Oslo” المتاح على تطبيق نت فلكس، وهو من إنتاج المخرج الأميركي “ستيفن سبلبيرج”، وبطولة (أندرو سكوت وروث ويلسون)، وإخراج “بارتليت شير”.
ويعرض الفلم بطريقة مسرحية وقائع المفاوضات السرية التي تواصلت على مدار سبعة شهور، بين أكاديميين وسياسيين إسرائيليين وسياسيين فلسطينيين في العاصمة النرويجية “أوسلو”، بتدبير سري من قبل “تيري ريد لارسن” مدير معهد فافو للدراسات التطبيقية في النرويج، التابع لحزب العمال النرويجي، وزوجته “مونا جول” التي كانت موظفة كبيرة في الخارجية النرويجية، وهي التي خطرت لها فكرة أنه إذا تم ترتيب لقاء بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فلربما يجدوا نوعاً من الأرضية المشتركة للتفاهم.
أما لماذا النرويج ؟؟
فيمكن القول: بأن “مونا جول” المطلة من موقعها في وزارة الخارجية على تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بنت مبادرتها هذه على طلب متروك لياسر عرفات سبق أن قدمه للخارجية النرويجية في عام 1979م، لتوفير قناة اتصال سرية مع الإسرائيليين، إلا أن إسرائيل رفضت الفكرة زمنذاك، وقبلتها بعد أن غير التاريخ مساره، وضاقت الأرض بما رحبت على منظمة التحرير الفلسطينية وقادتها، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، وهزيمة العراق التي بددت صلابة الموقف الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وجردتها من كافة خيارات العمل والتحرك الحر في العالم العربي تقريباً.
وقبل ذلك إعلان “ياسر عرفات” في عام 1988م، عن قبوله لقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 اللذان منحا دولة الاحتلال الإسرائيلي الحق في العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها دولياً، ما أدى إلى بدء الحوار الأمريكي الفلسطيني في تونس بين السفير الأمريكي في تونس “روبرت بيلليترو ” وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية “ياسر عبد ربه”، ومن ثم تعاظم الضغوط الدولية على إسرائيل للقبول بمبدأ التفاض المباشر وغير المباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية.
عودة على بدء، يمكنني القول: بأن الفلم أكد على صحة المعلومات المتوفرة لدي حول تلك المفاوضات، وما انتهت إليه، وصحح مجموعة أخرى، وكل ذلك سيسهم في تنقيح السرد الأمين للوقائع، ومنها:-
1- أن القضايا الخلافية التي لم يتمكن “أحمد قريع – أبو علاء” و”شموئيل زينغر” المستشار القانوني لوزارة الحرب الإسرائيلية، من التفاهم حولها، تم تسويتها في مكالمة هاتفية مطولة بين (تيري لارسن وشمعون بيرس وياسر عرفات)، وليس بين (ياسر عرفات ورابين)، كما كنت قد كتبت في غير مرة.
2- الأسئلة التي عرضت على “أبو علاء” من قبل “شموئيل زينغر” وأجاب عليها جميعاً بالإيجاب، كانت 200 سؤال، ولم تكن 100 كما كنت قد كتبت في غير مرة.
ومنها الأسئلة المتعلقة بقبول الفلسطينيين من عدمه، بوجود مستوطنين يهود في المناطقِ التي سيُسيطرون عليها مستقبلاً، واستعداد القيادة الفلسطينية لمشاركة الجيش الإسرائيلي في ملاحقة المقاومين الفلسطينيين، وعدم التطرق لمواضيع القدس والحدود واللاجئين أو إطلاق سراح الأسرى، والتعهد بعدم ملاحقة عملاء إسرائيل من الفلسطينيين.
ما مكن “زينغر” من صياغة اتفاق أوسلو بشكله النهائي، وألبسه اللبوس والشروط والقيود الأمنية والقانونية المحُكمة، لكنه خلا تماماً من أي ذكر لمواضيع اللاجئون والحدود والمياه والقدس كما ذكرت، وغير ذلك من ملفات اصطلح على تسميتها بملفات الوضع النهائي.
بعد ذلك أبلغ “شموئيل زينغر” شمعون بيرس وإسحاق رابين بوساطة الهاتف بما سمعه من “أبو علاء”، وقال: لهما، “بأنه إذا لم نوقع اتفاقاً فورياً مع هؤلاء النّاس فإننا سنكون أغبياء”، وتابع زينغر سرد انطباعاته لبيرس عن الذي سمعه من أبي علاء وصحبه، حيث قال: “أنا سعيد بما سمعت من أبي علاء، لكنني مندهش من أنه لم يوجه لي سؤالاً واحداً قط”.
3- أبو علاء وحسن عصفور، لم يكونا متساهلين مع نظراءهم الإسرائيليون، لكن الإسرائيليين تميزوا بالمكر والدهاء سيما في التعامل مع الملفات الصعبة كاللاجئون والقدس.
4- أظهر الفلم، الأثر السحري للوجبات الغذائية في تخفيض حدة التوتر وتعالي الصرخات بين الوفدين؛ وهي لحظات أظهرت (أبي علاء وحسن عصفور) وهما يعاقران الخمر مع مضيفيهم ونظراءهم من الوفد الإسرائيلي، كوسيلة فعالة لامتصاص الغضب الذي شجر بينهم؛ وهي وصفة أظهرت عبقرية الإدارة النرويجية للحوار، بدلالة ما انتهت إليه ؟!.
5- لم أكن أعلم بأن أعضاء قيادة منظمة التحرير ممن تواجدوا في مكتب المغفور له “ياسر عرفات” خلال المحادثة الهاتفية الثلاثية بين “ياسر عرفات وتيري لارسن وشمعون بيرس”، بكوا من فرط فرحهم بالتوصل لاتفاق مع (إسرائيل)، لظنهم بأنهم فازوا بعرضٌ مثير؛ سبق لحيدر عبد الشافي ورفاقه أن رفضوه بالكامل في واشنطن !!.
بصرف النظر عن دوافع “ياسر عرفات” السياسية والوجودية، لقبول ما عرض على وفده في أوسلو، فإنه لا بد من القول: بأن الظرف التاريخي الذي جرت في ظله المفاوضات لم يكن في صالح منظمة التحرير الفلسطينية، وليس الشعب الفلسطيني، لهذا اعترف “إسحاق رابين” بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني فقط، ولم يعترف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة أسوة بـــــــ (الشعب اليهودي).
استنتاجات
لهذ يمكن اعتبار اتفاق أوسلو الذي رج أرجاء الأرض، بدءاً من سطره الأول، هو مجرد تلاوة لبيان النصر الإسرائيلي على الخصم العنيد؛ وهو نفسه شكل شهادة ميلاد السلطة الفلسطينية، ومنح المحتل الإسرائيلي فرصة نادرة للتخلص من أعباءِ الكُلفة المالية والأخلاقية لاحتلاله العسكري، وألقى بها لمقاولين فلسطينيين؛ قبلوا بالمهمة التي رَسمت حدود دورهم الوظيفي ضمن منظومة الدّفاع عن إسرائيل – وفقاً للاتفاق نفسه – بما في ذلك التصدّي للمخاطر التي تهدّد أمنها، لقد حظيت إسرائيل بفرصة في مُنتهى الأهمية لمواصلة احتلالها للأرض والناس، والتحكم بالسّلطة التي تُدير شؤونهم العامة.
كما قلب اتفاق أوسلو معادلة الصراع العربي الإسرائيلي رأساً على عقب، وتحولت بفضله الثورة القديمة إلى عقبة في منتصف طريق التحرير، وإلى خط إعاقة في وجه المناهضة العربية والإسلامية لوجود إسرائيل، وعمقت من حيرة العرب والمسلمين الذين يتلقون دعواتها لزيارة فلسطين المحتلة بموافقة العدو، أو التمسك برفضهم المزمن لمصافحة العدو نفسه؛ الذي ما زال يغتصب الأرض والقدس، رغم حلول السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
كما خسر الفلسطينيون كامل السّنوات التي عاشها وسيعيشها الاتفاق، وهي نفس الفترِة التي ربحها وسيربحها المستوطنون مستقبلاً، الذين كان عددهم 100 ألف، واليوم يقتربون من المليون مستوطن، لقد خسرت السلطة الفلسطينية مشروعها الوطني وحلمها بإقامة دولة مستقلة ومترابطة جغرافيًا، لأن عرفات قايض صلابةَ الكتلة الحيويّة الفلسطينيّة (الأرض والسكان) بوهم الدّولة التي لم تقم، ولن تقوم فوق التّراب الوطني الفلسطينيّ، طالما أن هناك شيئًا اسمهُ (إسرائيل) في هذا الوجود، وخسر الفلسطينيون أيضاً دمهم المسفوك على مذبحِ الكفاح من أجل العودة، وخسروا السّلطة نفسها (كمشروعٍ وطني) يتطلع لبناء دولة مستقلة؛ كما خسر الفلسطينيون احترام الشعوب العربية، وفازوا بسخرية المتهافتين العرب، الذين بدأ تسللهم إلى إسرائيل تحت ظلال الكوفيّة الفلسطينيّة.
خلاصة
تميز السلوك الفلسطيني خلال المفاوضات السرية في أوسلو بالاستعجال، للفوز باتفاق تحت طائلة الضغط المصري والتهديد التونسي بالطرد، وذلك على عكس السلوك الإسرائيلي الذي لم يكن في عجلة من أمره، وكأن الأمر بالنسبة له، مجرد عملية سبر غور مباشرة لمواقف العدو، وكان هذا على عكس ما جرت عليه الأمور مع الوفد الفلسطيني المفاوض، في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، ومن ثم مفاوضات الرواق في واشنطن ولقاءات بيت الشرق في القدس المحتلة.
حيث ركز الوفد الفلسطيني بقيادة المغفور لهما (حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني) كل جهوده لمناقشة ملفات (الاستيطان والمياه والحدود واللاجئون والانسحاب)، لكن في مفاوضات أوسلو حرمت إسرائيل “أبو علاء” من هذه الصلاحية، ومن مجرد الحديث حول أياً من تلك العناوين، وتمكنت من تأجيلها لجولات مفاوضات لاحقة.
لهذا يمكن الجزم، بأن اتفاق أوسلو لم يكن معاهدة سلام بأي حال من الأحوال، بل كان توافق على لائحة تطبيقات ذات طابع أمني وإداري لترتيبات الحكم الذاتي الإداري المؤقتة، لهذا السبب لم يوجه العالم اللوم لأريك شارون عندما شرع بهدم السلطة الوطنية الفلسطينية؛ واحتلال مدنها عام 2002م، لأنه لم يتنصل من أي معاهدة ولم ينكث بأي وعد؛ بل انسحب على طريقته الخاصة من تجربة لم توفق، وأنهى مسيرة تعاون لم تكلل بالنجاح.
وشجعته الإدارة الأمريكية على ما قام به، بما في ذلك إعادة بناء السلطة الفلسطينية التي أصبحت سلطة إرهابية من وجهة نظره ونظر الإدارة الأمريكية، وذلك على هدى الناظم الجديد للعلاقة، وهو مبدأ السلام مقابل الأمن، بدل مبدأ الأرض مقابل السلام؛ واتم “بنجامين نتنياهو” مسيرة التنصل الإسرائيلية المتتالية أطواراً، بجعل مبدأ السلام مقابل السلام أساساً جديداً للعلاقات العربية الإسرائيلية، وهكذا بقي مطلب شعبنا العنيد في الحرية والاستقلال هدفاً بعيد المنال، في ظل سياسات التوسع الإسرائيلي في مصادرة الاراضي وبناء المستعمرات، والعجز الفلسطيني والتواطؤ العربي.

موضوعات تهمك:

إشكالية الإعلام التوعوي العربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة