فقط في الأردن: ديمقراطية بدون ديمقراطيين

كيف وعلى أي أساس يمكن تحديث منظومة بدون تحديث عقيدة العمل والاشتباك عند الأجهزة البيروقراطية؟
كيف وبأي صيغة تُصنَع حالة ديمقراطية بدون ديمقراطيين؟ وبأي صيغة يمكن صناعة أحزاب بدون حزبيين؟
اعتقدنا عندما تم الإعلان عن تشكيل لجنة ملكية عريضة لتحديث المنظومة السياسية أن الإقرار بالخطأ حصل، وأن عملية التصويب تكاد تبدأ!
لا يقبل المسؤول الأردني عادة مناقشته بهدف حتى بعد تقديم أدلة وقرائن له، على أن طريقة وآلية الوصول الغامضة أحيانا للأهداف قد تؤدي لعكس الأهداف.
اختلطت أوراق المنظومة عبر محاولات التسرع بتغذية وتسمين أسماء دون برامج وإصرار على صياغة الهدف في دوائر القرار فالتصنيع البيروقراطي لا يعني إلا غرق في التشويه!
حزمة مسؤولين مسترسلين في ادعاء الولاء والوطنية وتحديد الأهداف وكيفية الوصول إليها لا تسمح بالمناقشة ولا تعتذر عند بروز المؤشرات والأدلة على عدم تحقيق الأهداف!

* * *

بقلم: بسام البدارين

طبيعي جدا أن يكون لأي دولة أهداف. وطبيعي أكثر أن يكون للدولة الأردنية تحديدا أهداف واحتياجات تستوجب توفير ضمانات.
وطبيعي للغاية بالتلازم القول بأن أهداف الدولة في الحالة الأردنية ينبغي أن تتحقق، ولا يوجد ما يعيق فعلا من حيث الأدوات والقدرة غاية تحقيق هذه الأهداف بصرف النظر عن مضمون ومنطوق وهوية تلك الأهداف.
لا يقبل المسؤول الأردني بالعادة، ومن خبرتي الشخصية في العمل العام والمهني والسياسي، فكرة مناقشته بهدف حتى بعد إقناعه أو تقديم أدلة وقرائن له، على أن طريقة وآلية الوصول للأهداف التي تكون غامضة أحيانا قد تؤدي إلى عكس تلك الأهداف أو قد لا تحققها.
لا يوجد وسط النخبة الرسمية أو تلك التي تستخدم مقولة الولاء والانتماء وتركب باحتراف موجات النص الرسمي في أي وقت ثقافة من الطراز الذي يسمح بمناقشة الأهداف أو حتى الوصول إليها معا أو على طاولة واحدة.
والغريب جدا أن حزمة المسؤولين الذين يسترسلون في ادعاء الولاء والوطنية والقدرة دوما على تحديد الأهداف وترسيم كيفية الوصول إليها لا تسمح ليس فقط بالمناقشة، لكنها لا تعتذر عند بروز كل المؤشرات والأدلة على عدم تحقيق تلك الأهداف!
لا بل لا يعتذر أي رسمي أو مسؤول سياسي أو حكومي أو حتى موظف عام لا للدولة ولا للناس عن إخفاقه وفشله في تنفيذ أي هدف معلن مسبقا.
وكل ما يحصل في حالات الإخفاق والفشل، وفي أبرزها وأكثرها علنية، هو إعفاء ذلك المخفق من منصبه الوظيفي وتدبيره في منصب وظيفي آخر في الدولة، حيث معدل إعادة تدوير المناصب والوظائف العليا قد يكون الأعلى في الأردن قياسا بالعالم.
فالمحظيون والمحظوظون من الذين تؤمن الدولتان العميقة وتلك التي على السطح بهم لا يتقاعدون ولا يعتزلون، ومن يفشل في وزارة يمكن دفعه لسفارة في بلد مهم، ومن يفشل في الاثنتين قد يجد له مقعدا في مجلس إدارة شركة كبيرة أو في لجنة استشارية، وفي الكثير من الأحيان في موقع أو مقعد برلماني.
تلك متتالية هندسية متراكمة في مشهد الخارطة النخبوية المحلية يعرفها الجميع ولم تعد سرا، وللوهلة الأولى اعتقدنا عندما تم الإعلان عن تشكيل لجنة ملكية عريضة لتحديث المنظومة السياسية أن الإقرار بالخطأ حصل، وأن عملية التصويب تكاد تبدأ.
صفقنا للمحاولة مع المصفقين لصالح الإيجابية والتحريك بدلا من الحراك. لكن السلطة على الأقل كما تفكر، لا تؤمن بالتراجع فحتى الغايات النبيلة في مبادرات المنظومة برمتها أخضعت للهندسة وعادت مجددا لتركب على أكتاف الأردنيين تلك النظرية البيروقراطية التي تقول بأن الأهداف تحددها وترسم هيكليتها وتعمل على الوصول إليها فقط الدولة بدون الناس، وكأن هؤلاء في الطبقات العليا من الإدارة عقمت الأردنيات عن إنجاب مثلهم ويشكلون وحدهم ضرورة وطنية دائمة.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أنهم دائما وأبدا ومطلقا يملكون الحق والحقيقة، حيث دولة هؤلاء هي الأب الوحيد ويعرف مصلحة الجميع ولا يحق لأي مواطن مناقشة الأب وتحت أي ظرف حتى عندما يبدو بوضوح أنه يخلط الأوراق ببعضها، أو عندما يتبين بأن وسائل الأب الواضحة لن تقوده إلى النتائج المعلنة.
وُعِد الأردنيون بمنظومة حديثة وشفافة ونزيهة وقابلة للتطور مستقبلا، لكن انتهى المشهد بطرح نفس الأسئلة القديمة، وكأن قدر الحياة السياسية في المملكة مرتبط فقط بكيفية تفكير وتدبير الآباء المتعددين والسلطة فقط.
مجددا.. كيف وبأي صيغة يكن صناعة حالة ديمقراطية بدون ديمقراطيين؟
كيف أيضا وبأي صيغة يمكن صناعة أحزاب بدون حزبيين؟
كيف وعلى أي أساس يمكن تحديث منظومة بدون تحديث عقيدة العمل والاشتباك عند الأجهزة البيروقراطية ؟
تلك أسئلة كنا نعتقد أننا اقتربنا من تجاوزها، لكن ما يجري للأسف على طريقة تهافت التهافت، حيث هندسة الهندسة وغرق الجميع بمتتالية هندسية تحاول احتواء نتائج كارثية بعملية لف ودوران، وأحيانا احتيال ديمقراطي من المرجح أن يقود لنتائج كارثية أكثر مستقبلا.
اختلطت أوراق المنظومة عبر محاولات التسرع بتغذية وتسمين أسماء دون برامج، والإصرار على صياغة ثم صناعة الهدف في دوائر القرار التصنيع البيروقراطي برفقة التقنيات والأنماط والوسائل لا يعني إلا الغرق مجددا في وحل التشويه والتشويش.
من غير المعقول أن يحتاج الوطن إلى إرادة سياسية مرجعية توفر الغطاء لإرادة سياسية مرجعية أخرى أعلنت. ذلك أقرب إلى مسرح دمى فعلا، وليس إلى عملية سياسية وطنية حقيقية، ومبكرا نطالب رواد ورموز المنظومة والتفاؤل من الرسميين تحديدا بعدم الاستغراب لاحقا وكتم أي صدمة يمكن أن نلطم بها حيث لا مجال للادعاء ولا مجال يسمح كما حصل مرة لرئيس وزراء أعلن بأن وزير داخليته هو الذي زور الانتخابات، ولا مجال لظرف يسمح لجنرال ما أن يعلن بافتخار عدد أعضاء البرلمان الذين قرر تعيينهم بالانتخابات.

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني
المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

الأردن: «كتلة حرجة» تتشكل لـ«معارضة جديدة»… من المتهم الرئيسي بـ«التحريك»؟

قد يعجبك ايضا