فرنسا وتركيا في ليبيا.. هل لدى ماكرون كسوف بالعقل؟

لا تزال الأزمة الليبية تفرز المزيد من المشاحنات بين الدول الداعمة لطرفي النزاع هناك، فقد نشب ما يشبه الحرب الكلامية بين فرنسا وتركيا بشأن الوضع في ليبيا وأظهر التناقضات التي تتمتع بها مواقف باريس تجاه الأوضاع في ليبيا، والتي تثبت أن باريس لا تزال تشاغل ساكن الإليزيه فيها خيوط الاستعمار القديمة ورغبة السيطرة وبسط الحكام العسكريين كولاة لباريس في تلك المستعمرات.

فرنسا وتركيا والحرب الكلامية لماذا يا ماكرون؟

ربما أحلام باريس العتيقة يقابلها بالوجه المقابل أحلام قيصر الكرملين فلاديمير بوتين، وهو ما يعرفه إيمانويل ماكرون أنه لا يمكن أن يلعب في ليبيا سوى تحت أعين القيصر إن لم يكن ينظر إلى ما يراه حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة هي الأصح فعله في ليبيا.

مؤخرا أكدت تقارير تقارب توجهات الولايات المتحدة مع الرؤية التركية في ليبيا، في دعم حكومة الوفاق الوطني، بل إن القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، قدمت مساعدات عسكرية لحكومة الوفاق، عند معرفتها أن طائرات روسية وصلت إلى قاعدة الجفرة الجوية على متنها مئات المرتزقة الروس، ليقاتلوا إلى جانب حفتر.

إلا أن فرنسا لن تحذو حذو الولايات المتحدة في اختيار التوجه التركي، ربما نكاية في أنقرة أو ربما تحقيقا لأحلامها العجوز، وإما للسببين معا لذلك فستختار الجانب الروسي.

فرنسا إلى جانب روسيا والثروات

تختار فرنسا جانب دعم حاكم عسكري يقود انقلاب عسكري ضد قوات حكومة الوفاق الوطني، كحكومة معترف بها دوليا، جانب ما تظن أنه الجانب الرابح، حيث يوجد المال والقوة العسكرية والموقع الجغرافي المثالي، حيث على الترتيب الإمارات وروسيا ومصر، وفوق منهم على البيعة المملكة العربية السعودية.

أمس أعلن الإليزيه أن ماكرون يناقش قضايا أمنيا تشمل ليبيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بينما أكد أن هناك حاجة للمزيد من التقدم في جدول أعمال الأزمة، كما دعا في وقت سابق أوروبا إلى فحص شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، مؤكدا ان سياسات التحدي ضد موسكو لم تنجح، وهو ربما ما يريد تقليده بالحرف، مثلما حدث بين أنقرة وموسكو في روسيا، إلا أن ماكرون لديه كما تقول الرئاسة التركية “كسوف بالعقل”.

منذ البداية وباريس تدعم بشكل واضح قوات حفتر ضد حكومة الوفاق، حتى وإن لم تصرح بها فهي ألمحت لذلك مرارا وتكرارا، وتلك اللهجة تشير إلى توجه الجيش الفرنسي في الساحل الإفريقي ودول المغرب الإسلامي، تلك الدول التي تنقل منها باريس الذهب والثروات إلى بلادها، نقلا، ثم تؤكد على أنها تحارب الإرهاب، هذا بالفعل ما تريده في ليبياـ النفط والغاز بزعم محاربة الإرهاب تجربة مجربة في إفريقيا من داخلها، لكن للأسف فإن ماكرون محدود النظر او كما قالت الرئاسة التركية أن ماكرون بالفعل قد أصابه كسوف بالعقل، ردا على مزاعم الإليزيه أن أنقرة تلعب لعبة خطيرة في ليبيا، في بداية التصعيد.

فرنسا وتركيا

اليوم بعد يومين من التصريحات والحرب الكلامية بين فرنسا وتركيا، تدخل عدة دول في تلك الكلمات المتبعثرة، منها الإمارات ودول أخرى، بينما اشتدت اللهجة المصرية إلا أنها لم تتعرض لفرنسا.

لماذا ماكرون على خطأ؟

أولا لأن ليبيا دولة تحت النظر، تحت نظر العالم أجمع، تختلف عن دول النفوذ العسكري الفرنسي الإفريقي التي تلهو فيها باريس كيفما تشاء دون تدقيق من أحد.

الأمر الثاني أن تركيا لا تزال ضمن حلف الناتو ولديها بالفعل قوة على الأرض كما هي في سوريا، هي أيضا في ليبيا، زائد أن تعقيدات المشهد الليبي إلى حد كبير يبعد كل البعد عن المشهد السوري -المعقد أيضا- لكنه شبه محسوم.

باريس تراهن الرهان الخاطئ، حيث دول حلف دعم الحاكم العسكري (الفاشل بالمناسبة والذي أغرق حلفائه معه حتى ضاقوا به ذرعا)ـ لن تعطي باريس ما تريد، وما تريده باريس لن يحققه الروس أو الإماراتيون ولا المصريون. بالإضافة إلى أن الجغرافيا والمال والسلاح لن يفيدوا شيئا، في ظل عدم وجود رغبة لأصحاب الجغرافيا في التعمق داخل الحرب.

يعرف جميع حلفاء حفتر أنه مهزوم وسيهزم، وأنه محطة ستنتهي عاجلا أو آجلا، وقد انتقدوه مرارا وتكرارا بعد هزيمته على مشارف طرابلس ودحر قواته إلى ما قبل هجوم إبريل عام 2019، إلا أن اللهجة المصرية الأخيرة بالتدخل المباشر بضغط إماراتي والقوات التي أرسلتها روسيا أيضا مؤخرا، زادت من انتفاخة وتضخم الجميع “وهميا” بعد تقهقهر الهزيمة التي جعلتهم يلومون على حليفهم تصرفاته “المنفردة”. وعلى الرغم من تأكدهم من أن اللهجة المصرية منضبطة بحدود معينة وواقع معين وظروف معينة تعيها جيدا حكومة الوفاق وتعلم انها ليس لديها الإمكانية حاليا لتخطيها، فإنهم جميعا يلجأون إلى تلك اللهجة لحفظ ماء الوجه.

أما بما يخص باريس بعينها فإنها تعرف انها لا تفعل شئ سوى أنها تؤجل وتكابر قدر الإمكان على الاصطفاف خلف أنقرة، ربما الشاب الطائش ماكرون يريد أن يقول شئ لكنه يقوله، كمراهق يعلم أن الأمر في النهاية ليس في يده. وليس ببساطة أن يختار جانب روسيا كحصان رابح.

موضوعات تهمك:

عقيلة صالح أيضا؟ “كل حلفاؤك باعوك يا حفتر”

خليفة حفتر وعقدة الجنرال المهزوم