عودة لولا.. إشارات ورسائل

محمود زين الدين6 نوفمبر 2022آخر تحديث : منذ شهر واحد
محمود زين الدين
صحافة و آراء
Ad Space
لولا

كانت تلك إشارة لعمق الانقسام الاجتماعي والسياسي الحاد في بلد مترامي الأطراف وكتلته السكانية تتجاوز المئتي مليون نسمة.

بتجربتة لولا دا سيلفا العريضة، حيث تولى رئاسة البرازيل لدورتين بين عامي (2003- 2010)، فهو يدرك معاني الأرقام ورسائلها.

كان طلب الخروج من التبعية الأمريكية أكثر الأفكار هيمنة على الفكرين السياسي والاقتصادي اللاتيني. لم تكن مصادفة أن تعود أغلب إسهامات «نظريات التبعية»، التي سادت الجامعات الغربية لسنوات طويلة إلى اقتصاديين لاتينيين.

صعود اليسار جرى هذه المرة على خلفية فشل النظم اليمينية الذريع في مواجهة الجائحة وتعاظم معدلات الفقر والعوز. في حالة البرازيل بالذات تراجعت مكانتها الدولية بفداحة.

* * * *

بقلم: عبدالله السناوي

«نريد الكتب بدلاً من البنادق.. نريد استعادة الأمل». هكذا تحدث الرئيس البرازيلي المنتخب «لويس إيناسيو لولا دا سيلفا» في خطاب النصر.

كانت تلك إشارة لعمق الانقسام الاجتماعي والسياسي الحاد في بلد مترامي الأطراف وكتلته السكانية تتجاوز المئتي مليون نسمة.

في لحظة انتشاء الفوز تبدت أمامه منزلقات ومخاطر، فهو ربح الانتخابات بفارق أقل من (1%) فيما خصومه السياسيين حازوا الأغلبية التشريعية.

«نحتاج إلى السلام والوحدة». كانت تلك إشارة أخرى إلى ما يعتقد إنها من مقومات أي نجاح في إدارة شؤون البلاد حتى تعود من جديد إلى الساحة الدولية لاعباً فاعلاً ومؤثراً، ألا تكون منبوذة بالصورة التي كانت عليها في عهد الرئيس المنتهية ولايته «جايير بولسونارو»، الذي خسر الانتخابات أمامه.

بتجربته العريضة، حيث تولى رئاسة البرازيل لدورتين بين عامي (2003- 2010)، فهو يدرك معاني الأرقام ورسائلها.

نحن أمام رأي عام منقسم ونجاحه في الحكم قد لا يكون مؤكداً إذا أفلت الأمن عن كل قيد واستغرقت طاقة البلد في صراعات داخلية. هو رجل ينحاز تماماً إلى الفقراء الذين خرج من بين صفوفهم. عمل لفترة ماسحاً للأحذية ولم يتنكر لأصله الاجتماعي في أية لحظة. أحدث نقلة كبرى في اقتصاد بلاده ومستويات معيشة مواطنيها مكنته من أن يجدد رئاسته لمرة ثانية بأغلبية (60%).

في خطاب النصر أعاد التزامه بقضية العدل الاجتماعي، صلب شرعية انتخابه: «الشعب يريد أن يأكل بشكل جيد، أن يحصل على وظيفة وراتباً يتم تعديله وفق نسب التضخم وأن يحظى بصحة وتعليم جيدين».

كانت عودة «لولا»، كما في صعوده، تعبيراً عن أحوال القارة اللاتينية. لم يكن وحده في رحلة الصعود، فقد صاحبه بتوقيت متزامن صعوداً يسارياً في الأرجنتين، تشيلي، وأورغواي، وبوليفيا، والأكوادور، وفنزويلا.

كان ذلك في توقيته ورسائله تعبيراً عن تحولات عميقة عنوانها الرئيسي: التحول التدريجي البطيء الراسخ من حرب العصابات إلى الدولة الديمقراطية الحديثة طلباً للعدل الاجتماعي واستقلال القرار الوطني بعيداً عن الهيمنة الأمريكية على مقادير القارة.

حرب العصابات استدعتها الأنظمة الفاشية، حيث تسحق حياة مواطنيها إلى حدود الإلغاء بأثر الفقر والعوز والتهميش. عندما تهيأت الوسائل الديمقراطية نحيّت البنادق جانباً وبدا أن هناك أملاً في مستقبل آخر عبر صناديق الاقتراع.

هكذا تمكن اليسار اللاتيني من حصد السلطة في دول عديدة بتوقيت متزامن.

ألهمت الثورة الكوبية حرب العصابات في أنحاء القارة، وكانت أكثر تجاربها نجاحاً بفضل رمزيها الكبيرين «فيدل كاسترو» و«تشي جيفارا».

في لحظات تالية بدت التجربة الكوبية نموذجاً للتطور التقني والعلمي والطبي، غير أن التطورات التي جرت في بنية القارة تجاوزت فعل السلاح إلى طلب الديمقراطية ومازجتها مع العدالة الاجتماعية.

كان طلب الخروج من التبعية الأمريكية أكثر الأفكار هيمنة على الفكرين السياسي والاقتصادي اللاتيني. لم تكن مصادفة أن تعود أغلب إسهامات «نظريات التبعية»، التي سادت الجامعات الغربية لسنوات طويلة إلى اقتصاديين لاتينيين.

كانوا كبلدانهم وأدبائهم مسكونين بوطأة الانقلابات العسكرية، التي ترعاها الاستخبارات الأمريكية، وما ترتكبه من مجازر دموية كالتي حدثت في «تشيلي» على يد الجنرال «أوغستو بينوشيه» ضد أنصار الرئيس «سلفادور الليندي»، أو بالنهب المنظم الذي ترتكبه الشركات الدولية بالتعاون مع شبكة فساد تتحكم في مقاليد السلطة.

بأية مراجعة جدية للتجارب اليسارية اللاتينية في موجتها الديمقراطية الأولى فإن «لولا» هو العنوان الأول في إحداث اختراقات حقيقية بالاقتصاد والمجتمع.

تجربته بإنجازاتها بدت ملهمة لدول عديدة أخرى بأنحاء العالم، لا في القارة وحدها، حتى أن صحيفة «لوموند» الفرنسية اختارته عام (2009) شخصية العام قبل أن تعتبره مجلة «التايم» الأمريكية في العام التالي بالزعيم الأكثر تأثيراً في العالم.

جرت مطاردة صورته وهو خارج السلطة بالتشهير المنهجي. أطيحت نائبته السابقة وخليفته على المقعد الرئاسي «ديلما روسيف» بتهمة الفساد، ثم امتدت الاتهامات إليه شخصياً.

جرى اعتقاله والزج به خلف جدران السجون بالتهمة المشينة، حتى لا يترشح مرة أخرى. عندما برأته المحاكم البرازيلية تمكن من أن يحصد نصراً انتخابياً رغم كل الظروف المعاكسة.

لم يكن صعوده مجدداً إلى رئاسة البرازيل منعزلاً عما يجري في القارة من تحولات وما يصدر عنها من رسائل إلى المستقبل.

بتوقيت متقارب حدث صعود مماثل في هندوراس، وكولومبيا، وتأكدت من جديد قوة اليسار في تشيلي وفنزويلا ورد اعتبار تجربة «موراليس» في بوليفيا بعدما جرى الانقلاب عليه.

صعود اليسار جرى هذه المرة على خلفية فشل النظم اليمينية الذريع في مواجهة الجائحة وتعاظم معدلات الفقر والعوز. في حالة البرازيل بالذات تراجعت مكانتها الدولية بفداحة.

لم يكن مستغرباً الترحيب الدولي الواسع بفوز «لولا»، فهو ينتمي إلى التيار الواسع للحفاظ على الحياة في الكوكب عكس «بولسونارو» منافسه اليميني الموالي للغرب في نسخته الترامبية!، كأنه توأم سياسي للرئيس الأمريكي السابق.

في لحظة إعلان النتائج أطل «شبح ترامب» على المشهد البرازيلي. أغلق أنصار «بولسونارو» بشاحنات الطرق السريعة في أنحاء البلاد لتعطيل حركة الحياة وإشاعة الفوضى تشكيكاً في نظام التصويت الإلكتروني. الحجج نفسها استند إليها أنصار «ترامب» في اجتياح مبنى «الكابيتول».

بقوة التجربة الديمقراطية الماثلة في الأذهان توقفت القصة في منتصف الطريق. كان ذلك انتصاراً للديمقراطية في القارة وتأكيداً على مسار المستقبل.

هذه الرسالة الكبرى في عودة «لولا» وصعود اليسار اللاتيني مجدداً.

*عبدالله السناوي كاتب صحفي مصري

المصدر: الخليج – أبو ظبي

موضوعات تهمك:

انعكاسات عودة اليسار إلى البرازيل

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة