عندما يغيب الإحساس بالخجل والندم

سيجتمع رؤساء الدول العربية بعد أيام فهل نأمل في أن نرى ونسمع عن انتفاض كبرياء ويقظة ضمير والتزام وطني وقومي.

تنظم دولة وعد بلفور لـ”الكيان الصهيوني” تصنيف كل أنواع المقاومة الفلسطينية والعربية والإسلامية ضمن الحركات الإرهابية.

أصبح المعتدى عليه والمسلوبة أرضه والمعرّض يوميا لسياسات الإذلال والضغط والتهجير الذي ينزف طيلة العام دما وعرقا ودموعا هو الإرهابي في عرف من لا يستحون.

يواجه العرب رياحا ومؤامرات ويدوس القاصي والداني على كرامتنا ويستهزئ العالم بنا وبسخف عبثي تعيشه مجتمعاتنا وبصراعاتنا ومؤامراتنا ضد بعضنا وباستباحة ثروات أجيالنا.

* * *

بقلم: علي محمد فخرو

بدلاً من الشعور الدائم بوخز الضمير والندم من جراء ارتكاب غلطة تاريخية كبرى بحق شعب فلسطين البريء المسالم، وذلك من خلال إعطاء أرض لا تملكها إلى أناس أغراب لم يولدوا فيها، ومن خلال المساهمة في تهجير من سكنوها عبر آلاف السنين من العرب إلى المنافي، تطل علينا حكومات تلك الدولة الاستعمارية بين الحين والآخر باتخاذ قرارات انتهازية تعاقب الضحية، وتكافئ المعتدي المغتصب المرتكب يومياً لكل أنواع الجرائم الإنسانية البشعة بحق شعب محتل مضطهد لا حول له ولا قوة.

ولم تكتف دولة بريطانيا بما فعلته منذ قرن، من خلال إعطاء وعد بلفور، والمساهمة في تنفيذ كل جوانبه اللاإنسانية وغير الحقوقية وغير الأخلاقية، وإنما بقيت على الهامش تتفرج على أقبح إنضاج وتضخيم وتطوير، لأقبح مؤامرة استعمارية من قبل اختها في الرضاعة ووريثتها في ممارسة الاستعمار، الولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا، وبدلاً من الضغط على سلطات الكيان الصهيوني للتوقف عن سرقة الخمس عشرة في المئة الباقية من أرض فلسطين التاريخية من يد سكانها العرب الأصليين، وبدلاً من التفرج مع غيرها على ما يرتكب يومياً من جرائم سجن وقتل بحق أطفال ونساء وشيوخ وشباب شعب فلسطين، ومن مزيد من سرقة المياه، ومن اقتلاع للمتبقي من أشجار الزيتون المملوكة من بعض فقراء فلسطين ومهمّشيها، التي لا تواجه من قبل بريطانيا وغيرها بأكثر من بيانات شجب بليدة مضحكة..

بدلاً من كل ذلك تنظم دولة وعد بلفور لـ”الكيان الصهيوني”، تصنيف كل أنواع المقاومات الفلسطينية والعربية والإسلامية ضمن الحركات الإرهابية.

أصبح المعتدى عليه، والمسلوبة أرضه، والمواجه يومياً لسياسات الإذلال والضغط والتهجير، الذي ينزف طيلة العام دماً وعرقاً ودموعاً، هو الإرهابي في عرف من لا يخجلون.

وأصبح الذي يمارس الإذلال والقتل والتهجير والسرقة، والنهم الذي لا يشبع، والمتمرد على كل المنظمات الحقوقية الدولية، والمحتقر لكل قرار دولي، والمستعين بشبكات صهيونية دولية لا تهمها القيم الإنسانية والأخلاقية، أصبح هو الضحية.

هكذا وصل الحال بحضارة الأنوار الغربية، لا يكفي أنها في السابق استعمرت ونهبت ودمرت مجتمعات، وإنما تمضي الآن في ممارسة توحش حيواني، تطوره باستمرار، وتلبسه آلاف الأقنعة، وتسنده بشبكات إعلام وعلاقات عامة زبونية مشتراة.

نحن العرب، كل العرب، نواجه كل تلك الرياح والمؤامرات، ويدوس القاصي والداني على كرامة كل فرد فينا، ويستهزئ العالم بنا وبالسخف العبثي الذي تعيشه مجتمعاتنا، وبانقساماتنا وصراعاتنا ومؤامراتنا ضد بعضنا بعضا، وباستباحة ثروات أجيال الحاضر والمستقبل..

نواجه ونكتوي بنار كل ذلك، ولا نرى إلا رؤوس دول وهي مطأطِئة، وإلا إرادتهم الوطنية والقومية مشلولة، وإلا نقلنا من فضيحة حياتية إلى فضيحة أخرى، وإلا الارتماء في أحضان أعدائنا وضاربينا بالسياط وقاهرينا بالعيون الحمر.

نحن العرب، كل العرب، مللنا كل ذلك، ووصلنا إلى مراحل الغثيان، وأصبح بعضنا يفضل الموت على عيش ذل الحياة الذي لا يصل إلى نهاية. سيجتمع رؤساء تلك الدول بعد أيام. هل نأمل في أن نرى ونسمع عن كبرياء انتفض، وعن ضمير استيقظ، وعن التزام وطني وقومي نوقش، وعن معاهدة للنفس بالتوقف عن شرب كؤوس الذل وعلقم الإهانات؟

وإذا كان رد الفعل لن يتعدى العجز والتفرج والاستجداء، وتشفي هذا بمصائب ذاك، وترجي الأعداء الكارهين لنا بالشفقة علينا، فإن على الشعوب أن تخرج من شعار «من يهن يسهل الهوان عليه» وتعود إلى شعار رفعه شبابها ذات يوم: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر».

فعسى أن تبدأ الأقدار بدق طبول الكرامة والتحرر من الذل والمسكنة والاستسلام. وإلا فسيكون الشعار التالي «عليّ وعلى أعدائي يا رب» وعند ذاك لن يفيد البكاء والندم.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر| الشروق المصرية

موضوعات تهمك:

من بغداد إلى جاكرتا: المنامة محطة قاطرات التطبيع

قد يعجبك ايضا