صاحب الخطوة الثقيلة

الساعة 2523 أغسطس 2022آخر تحديث : منذ شهر واحد
الساعة 25
شخصياتمميزة
صاحب

بقلم: إيمل أمين

يصفه بعضهم بأنه الثعلب الروسي، ذلك أن لفظة الدب الروسي الثقيل الوزن البطيء الحركة لم تعد تلائم بلاده بعد عقدين من تسيده مقاليد الكرملين، حوّل فيها روسيا من قوة تقليدية قطبية قديمة إلى ما يشبه الإمبراطورية الجديدة، والتي فيها أضحت رشيقة الحركة سهلة الخطو بل القفز.

وعند بعضهم الآخر أنه الرجل الذي يكاد وجهه يشابه أوجه لاعبي البوكر، بمعنى أنك لا تستطيع مهما أوتيت من قوة أن تقرأ معالم وجهه أو تفك قسمات تعبيراته، فهو يبطن أكثر مما يظهر، ولهذا بدا فلاديمير بوتين خلال الأزمة الأوكرانية الأخيرة رجل الغموض، والعهدة هنا على رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية وليام بيرنز الذي صرح أخيراً بأن أحداً غير قادر على معرفة ماذا يدور في عقل القيصر الروسي.

من هو بوتين؟ ولماذا يرى بعضهم أنه بطرس الأكبر الجديد الناهض بقوى روسيا مرة أخرى؟

صاحب

ابن سان بطرسبرغ

ولد بوتين في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1952، مما يعني أنه في عقده السابع اليوم، وفي حكم روسيا منذ 22 عاماً، كان مولده في مدينة لينينغراد والتي ستعود إلى اسمها التاريخي “سان بطرسبرغ” بعد زوال المد الشيوعي، وأنهى دراسته في كلية الحقوق بجامعة لينينغراد الحكومية عام 1975.

يكتب بعضهم عن الكتكوت الفصيح وهل في البيضة يصيح أم لا؟ والإسقاط هنا على مسيرته الاستخبارية، فقد شغف منذ بواكير حياته بالقصص ذات الطبيعة الأمنية، ولهذ فكر أثناء المرحلة الثانوية في الالتحاق مبكراً بجهاز أمن الدولة الروسي الذي عرف وقتها باسم “كي جي بي”.

كان من الواضح أن بوتين يحمل في عمق أعماقه رؤية للإمبراطورية الروسية السلافية، ولهذا فإن الانضمام إلى ذلك الجهاز في ذلك التوقيت لم يهدف إلى منافع شخصية بقدر إيمان راسخ بأيديولوجية تتماس مع خطوط دوغمائية، وسيقدر لها لاحقاً أن تفعل فعلها، ولا تزال منذ أن أضحى سيد روسيا الأهم.

10 سنوات عاشها فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في أروقة جهاز الاستخبارات الروسي، الند لنظيره الأميركي “سي آي إيه” قبل أن تتوج خبراته بعمله في ألمانيا من 1985 إلى 1990، أي السنوات الخمس التي جرت فيها ما أطلق عليه “الخطيئة الكبرى”، أي التمهيد لتفتيت الاتحاد السوفياتي وتفكيك أوصاله، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة التي تمثلت في انهيار جدار برلين عام 1989.

صاحب

العودة للداخل الروسي

بدأت العودة للداخل الروسي مرة أخرى عام 1990 ليجد بوتين جامعة لينينغراد تفتح له أبوابها كمساعد لرئيسها، وتحديداً للشؤون الخارجية، ثم تالياً رئيساً لمجلس المدينة الروسية الكبرى.

خلال عام واحد في منصبه لفت بوتين الأنظار وبدأت الأضواء تحيط بالكولونيل الشاب قليل الكلام سريع البديهة المفكر بحزم والعامل بعزم، ولهذا ترأس منذ يونيو (حزيران) 1991 لجنة العلاقات الخارجية لإدارة المدينة عينها، وخلال ثلاثة أعوام وجد طريقه لموقع نائب رئيس حكومة سان بطرسبورغ مع استمراره بالعمل في تلك اللجنة.

كان ولا بد من أن ينفتح الطريق سريعاً أمام بوتين، وهذا ما جادت به الأقدار قولاً وفعلاً، ففي شهر أغسطس (آب) عام 1996 بلغ بوتين وهو في منتصف الأربعينيات من عمره منصب نائب مدير ديوان الرئيس الروسي بوريس يلتسين، وفي مارس (آذار) 1997 شغل منصب رئيس إدارة الرقابة العامة في الديوان، ثم أصبح في مايو (أيار) 1998 نائباً أول لمدير ديوان الرئيس الروسي.

قدر لبوتين خلال تلك السنوات العصيبة أن يتابع بأم عينه ما كان يجري من جماعة الـ “أوليغاركية” الروسية، وكيف تساعد القوى الغربية التقليدية في توجيه الطعنات إلى قلب روسيا، فكان يرصد ويسجل في هدوء يليق برجال العمليات السرية من وراء الكواليس.

صاحب

في الطريق إلى المقعد الرئاسي

بدءاً من يوليو (تموز) 1998 بات وكأن بوتين يحصد المناصب الكبرى وفي طريقه للمقعد الرئاسي الوثير، ففي يوليو 1998 تم تعيين بوتين مديراً لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وبذلك بدت خريطة روسيا الاتحادية من الناحية الأمنية واضحة كل الوضوح أمام القومي الشاب الذي يحاول في سره أن ينهض ببلاده من غير “بروباغاندا” إعلامية، بل عبر عمل دؤوب وتكوين جماعات من الموالاة ورسم صورة لقادم أيام روسيا من غير تهوين أو تهويل.

كان من الطبيعي أن يجد بوتين طريقه إلى رئاسة حكومة روسيا الاتحادية كخطوة قبل أخيرة، وهو ما جرى بالفعل في مارس عام 1999، ثم في 31 ديسمبر (كانون الأول) 1999 حين تولى بوتين رئاسة حكومة روسيا الاتحادية بالوكالة.

جاءت اللحظة المثيرة والحاسمة في الـ 26 من مارس عام 2000، حين انتخب بوتين رئيساً لروسيا الاتحادية ومارس مهماته في السابع من مايو من العام نفسه.

أحد الأسئلة الرئيسة في سياق البحث في سيرة ومسيرة بوتين موصول بالقوى الروسية الداخلية التي ساعدته في الصعود السريع على مثل هذا النحو، ومن وقف وراء الكولونيل الشاب؟

من الواضح أن الرئيس الروسي يلتسين قد فعل ذلك، ليس وحده وإنما بموافقة ومباركة من كبار قيادات القوات المسلحة الروسية الذين وجدوا أمرين واضحين، “الرغبة في استنقاذ البلاد من الهوة العميقة التي آلت إليها، والمقدرة على القيام بذلك عبر رؤية واضحة وتخطيط استراتيجي يسمح له ببلوغ غايته وبشكل مؤسساتي منهجي”.

ولعل التكوين العلمي للقيصر بوتين المتمثل في حيازته درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، أمر مكنه من التعاطي مع الغرب بصورة خاصة عبر خطة الخطوة المتقدمة الواحدة، فعلى سبيل المثال، ومنذ ضمه لشبه جزيرة القرم إلى روسيا والعقوبات الاقتصادية، الأميركية بخاصة والأوروبية عامة، تتوالى على روسيا، ومع ذلك تبلغ اليوم احتياطات النقد الأجنبي لدى روسيا أكثر من 660 مليار دولار، عطفاً على توقعه عقوبات جديدة بعد الأزمة الأوكرانية، وغالب الظن أن بلاده باتت جاهزة لها حتى وإن تأثرت على المدى القريب.

طلاق متحضر

في 2013 وغداة عرض باليه “أزميرالد” عن قصة الروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو، حضره بوتين وزوجته الروسية لودميلا، أعلنا انفصالهما، وكان السؤال هل انشغل الرجل عن زوجته بالدولة؟

غير أن لودميلا وصفت الطلاق بأنه متحضر، لا سيما وأنهما يعطيان اهتماماً كبيراً بابنتيهما ماريا وكاترينا، اللتان أشار إليهما بوتين ذات مرة بأنهما مصدر فخر له، ومؤكداً أنه سيظل قريباً من زوجته ولن يسمح لشيء بالتأثير في مستقبل بناته.

يتقن بوتين الإنجليزية والفرنسية والألمانية عطفاً على الأوكرانية والبولندية، ويفهم جيداً الأرمنية عطفاً على لغته الأم الروسية، ولهذا يسمى الرجل ذو السبع لغات.

هل بوتين هتلر جديد كما يعن لبعضهم في كثير من الدوائر الغربية تسميته ووصفه بالديكتاتور؟

غداة ضمه للقرم وفي حديث إلى قناة “سي إن إن” الأميركية، نفى بطريرك السياسة الأميركية هنري كيسنجر هذا الوصف، مضيفاً أن بوتين ليس هتلر وأن جل ما يريده هو تحقيق إنجازات لبلاده، وقد كانت هذه شهادة قوية في مصلحة سيد الكرملين.

هل ما تقدم يكفي للإجابة عن تساؤل من هو بوتين؟

أغلب الظن أن جواباً من هذا النوع في حاجة ماسة إلى بعض المؤلفات لسبر أغوار القائد الروسي المختلف عليه حتى الساعة، وإن ظل التساؤل الأكثر إثارة إلى أين يمضي بوتين بالعالم؟ وهل الأزمة الروسية الأوكرانية الأخيرة نقطة مفصلية وعن حق في طريق رسم معالم وملامح عالم جديد، عالم ما بعد بوتين؟

* إيمل أمين كاتب وباحث

المصدر: إندبندنت عربية

موضوعات تهمك:

إسرائيل ودروس ألمانيا النازية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة