سلبيات المنظومة الإدارية للتعليم العالي

جامعة القاهرة

منظومة الإدارة سر تخلف التعليم العالي والجامعات الوطنية ولو كانت وطنية بحق ما احتجنا استيراد جامعات من الغرب.

كنا نستطيع توفير أموال نصرفها على الجامعات الجديدة إن توجهنا لإصلاح الجامعات الوطنية من خلال المحتوى العلمي والكوادر التعليمية.

مشكلة المنظومة الإدارية للتعليم افتقادها للرؤية والمنهج الحق والروح العلمية، ليس في ساحة الدراسات الدينية وهي الأهم فحسب بل بكافة ساحات العلم، فالرؤية الحقة واضحة غير منحازة إلا لله ومنهجه العلمي.

* * *

بقلم: محمد السعيد عبدالمؤمن

لاشك أن التوسع في بناء جامعات جديدة في محافظات مختلفة تعنى بالعلوم والمناهج الحديثة أمر محمود، إلا أنه يدل على اليأس من التعليم العالي الوطني، فالواقع أننا لن نحتاج إلى إنشاء جامعات جديدة، وعندنا جامعات وطنية في كل المحافظات، إلا إذا أدركنا أن هذه الجامعات لا نفع منها، بل تجذبنا إلى السقوط في التخلف والجهالة.

الحق أقول لكم إننا كنا نستطيع أن نوفر الأموال التي نصرفها على الجامعات الجديدة، والتي يتحمل طلابها تكاليفها وأرباحها، إن توجهنا إلى إصلاح الجامعات الوطنية، ليس من خلال الشكل أو المباني الحجرية، بل من خلال المحتوى العلمي، والكوادر التعليمية.

والأهم من ذلك منهج وكيفية منظومة الإدارة، فمنظومة الإدارة هي سر تخلف الجامعات الوطنية والتعليم العالي كافة، ولو كانت وطنية بحق ما احتجنا أن نستورد جامعات من الغرب.

لست في حاجة إلى شرح سلبيات المنظومة الإدارية، فالكل يعرفها، ولكنه إما مستفيدا من فسادها، أو خائفا من الاعتراض عليه، أو لا يعلم مدى المسئولية التي يحملها وسوف يحاسبه الله عليها إن أفلت من محاسبة أهل الدنيا، أو غير مستحق لدخول هذا المجال أو الانتساب إليه.

سوء كفاءة كوادر التعليم العالي أحد أهم سلبيات منظومة التعليم العالي الإدارية، بسبب سوء منهج هذه المنظومة التي يرأسها وزير التعليم العالي وما يليه من الإدارة حتى المعيد، فإن سألت أحدا منهم: ما هو منهج منظومة التعليم لردد كلاما لا معنى له لدى العلماء، وأتى بكلام منقول عن الغرب والشرق أو الأقدمين.
إن مؤسسة التعليم هي مؤسسة الله، فلا علم إلا لله، والكل يتعلم منه، ويعلِّم من خلال منهجه وتوجيهاته، وقد فتح الله على أهل العلم مختلف الأبواب والساحات، مؤيدين بتوفيقه، مكرمين في مكانتهم، مكافئين من رزقه، معززين بعلمه.

علم الله واسع لا تحده حدود: لو أن من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله. القرآن الكريم كلام الله للناس في ختام رسالاته للأرض، وما جاء فيه مجرد مفاتيح لكلام الله اختص بها المسلمين ليعلموه ويعلِّموه، خاصة أنه سبحانه قال قولا فصلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة:3).

وقال سبحانه وقوله الفصل: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الجاثية:13). وقوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}(إبراهيم:34).

وكلام الله لكل زمان، فإذا كنا نشعر أن نعمته علينا لم تتم، وأن ما سألناه لم يتحقق بعد، وأن شيئا من الأرض لم يسخر بعد، فلا شك أننا لم ندرك ما وراء مفاتيح كلام الله، خاصة مع قول رسوله الكريم ﷺ: »لا أقول لكم ألم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف».

أعتقد أننا لم نتمم دراسة كلام الله في قرآنه بعد، وقد كتب علينا أنه لكي نحصل على ما وعد أن نسعى ونبذل جهدا لكي يتحقق.

إن مشكلة المنظومة الإدارية للتعليم افتقادها للرؤية والمنهج الحق والروح العلمية، ليس في ساحة الدراسات الدينية وهي الأهم فحسب، بل في كافة ساحات العلم نظريا وعمليا أيضا، فالرؤية الحقة واضحة غير منحازة إلا لله ومنهجه العلمي.

يقول تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(الشورى:52) العلم الحق، بدءا من العلم بالله لأنه يحقق الاستئثار بخشية الله: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(فاطر:28) انتهاء بالاجتهاد الذي جعله الله فرض كفاية، وجعلكم يا من تنتمون إلى ساحة العلم في بؤرته {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة:122).

إذا كان افتقاد المنظومة الإدارية للرؤية والمنهج الصحيح والروح العلمية أهم سلبياتها، فقد انعكس في سلبيات أخرى، تتمثل في خطط ومناهج التعليم، وتتمثل في الروتين، وتتمثل في عدم صلاحية كوادر التعليم، سواء بسبب سوء لوائح التعيين والترقية، أو بسبب مصالح وأغراض دنيوية، أو بسبب تدخلات أمنية وسياسية، أو بسبب عدم القدرة على التطوير الصحيح للمناهج والمقررات وأساليب التدريس، أو مخالفة المنهج العلمي لصدور القرارات، أو لعدم إخلاص وكفاء الموظفين الإداريين.

العلم ليس انتماءاً لأية مؤسسة دنيوية، وليس مغنما ماديا، ولكنه مسئولية إلهية ومغنم أخروي، من ثم ينبغي تغيير المنظومة الإدارية للتعليم العالي بما يرضي الله، وهو ما سوف ينعكس على التعليم في مراحله المختلفة.
ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس.

موضوعات تهمك:

معضلتا التبسيط والتعقيد

قد يعجبك ايضا