سد النهضة لن ينير ظلام إثيوبيا

محمود زين الدين9 سبتمبر 2022آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
محمود زين الدين
صحافة و آراءمميزة
سد النهضة

هل سيحل سد النهضة أزمة الكهرباء بإثيوبيا ويخرج شعبها من الظلمات إلى النور؟
وهل سد النهضة هو الحل السحري والعلاج من الفقر في إثيوبيا كما يزعم أحمد؟!
وهل هو مفتاح النهضة الإثيوبية كما أطلق عليه رئيس الوزراء الراحل والأب الروحي للسد، ميليس زيناوي؟! وهل لسد النهضة ثمار تنموية من حق إثيوبيا أن تنعم بها؟
السد “مضيعة للوقت والمال ومسيس حيث يتم بناؤه لدوافع سياسية”. ما يؤكد أن المشروع لن ينير ظلام إثيوبيا ولن يحقق نهضة وتنمية مزعومة.
معدل الإنتاج الأكثر منطقية سيكون 2800 ميغاواط في أحسن الأحوال، فلماذا يتم تصميم السد أكبر من حجمه بمعدل 3200 ميغاواط إضافية وبتكلفة أعلى؟!
لن تتجاوز كفاءة سد النهضة في توليد الكهرباء 33% وهي نسبة منخفضة مقارنة بكفاءة المشاريع الكهرومائية حول العالم وتتجاوز 50% وفق وكالة الطاقة الدولية.
سد النهضة مشروع يفتقد الكفاءة وحُدد له حجم مبالغ فيه، ومغالٍ في تكلفته، وبالتالي هو استثمار فاشل لبلد يعاني الفقر وتكرار الجفاف الذي يقتل مشاريع الطاقة المائية.
سد النهضة قد يجعل فقراء إثيوبيا أفقر فالتمويل الذاتي للمشروع محفوفً بمخاطر في دولة فقيرة إذ يحبس الموارد المتاحة ويقلل قدرة الدولة على الاستثمار بمشاريع تنموية أخرى.
* * *

بقلم: د. عبد التواب بركات
أعلنت الحكومة الإثيوبية يوم الجمعة 12 أغسطس/ آب عن اكتمال الملء الثالث لبحيرة السد الذي تقيمه على النيل الأزرق، وتخزين 22 مليار متر مكعب من المياه، وتدشين ثاني توربينات توليد الكهرباء من سد النهضة.
وقال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إن بلاده تقوم ببناء السد بهدف توليد الطاقة بحيث تتمكن من إخراج سكانها الكثيرين الذين لم يشهدوا الكهرباء من قبل من الظلام، وللتخفيف من حدة الفقر في إثيوبيا بتصدير كهرباء السد للدول المجاورة وأوربا.
فهل سيحل سد النهضة أزمة الكهرباء في إثيوبيا ويخرج شعبها من الظلمات إلى النور، وهل سد النهضة هو الحل السحري والعلاج من الفقر في إثيوبيا كما يزعم أحمد؟!
وهل هو مفتاح النهضة الإثيوبية كما أطلق عليه رئيس الوزراء الراحل والأب الروحي للسد، ميليس زيناوي، بعد أن كان يسمى السد إكس، أو المجهول؟! وهل لسد النهضة ثمار تنموية من حق إثيوبيا أن تنعم بها؟
كفاءة توليد الكهرباء
في دراسة للخبير الإثيوبي المتخصص في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، ميهاري بيين، تحت عنوان: ما هي كفاءة سد النهضة الإثيوبي الكبير؟! نشرتها في وقت مبكر منذ الإعلان عن إنشاء السد مؤسسة الأنهار الدولية في 20 يوليو/تموز 2011 أثبت أن كفاءة سد النهضة في توليد الكهرباء لن تزيد عن 33% فقط، وهي نسبة منخفضة مقارنة بكفاءة المشاريع الكهرمائية حول العالم وهي أكثر من 50%، وفق معايير وكالة الطاقة الدولية لسنة 2010.
وقال بيين إن الكهرباء التي سيتم توليدها من السد بكفاءة مقدارها 33% تعادل الطاقة المنتجة من سد طاقته 2872 ميغاوات ويعمل بكفاءة مقدارها 60%. وبالتالي يمكن تخفيض إجمالي نفقات السد بنسبة 40-45% على الأقل من خلال بناء سد أصغر وبكفاءة توليد أعلى للطاقة.
وخلص إلى أن سد النهضة هو مشروع يفتقر إلى الكفاءة إلى حد كبير وحُدد له حجم مبالغ فيه، ومغالٍ في تكلفته، وبالتالي يصبح السد استثمارا فاشلا لبلد يعاني أساسا من الفقر وتكرار الجفاف الذي يقتل مشاريع الطاقة المائية.
وأشار بيين في دراسته إلى أن هايليماريام ديسالين، وزير الخارجية الإثيوبي في حينه ورئيس الوزراء لاحقا، قال في مقابلة تلفزيونية إن سد النهضة يستند إلى دراسة أجرتها وزارة الاستصلاح الأمريكية عام 1964، واقترحت سدًا أصغر بكثير وبطاقة 1400 ميغاواط، وبارتفاع 85 مترًا، وخزانًا يبلغ حجمه خُمس حجم سد النهضة الإثيوبي الكبير، تقريبا 14 مليار متر مكعب، وبتكلفة 1.5 مليار دولار أمريكي.
واستنكر بيين تصنيف الحكومة الإثيوبية منتقدي المشروع فورا على أنهم مرتبطين بأحزاب المعارضة و”الجماعات الإرهابية” دون أدلة.
دراسة أخرى للخبير الإثيوبي، أصفاو بيين، ويعمل أستاذا في الهندسة الميكانيكية ويدير مركز الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بجامعة سان دييغو الأمريكية، نشرت في 14 يونيو سنة 2013، قال فيها إن الحكومة تفرض سرية حول الكفاءة الكهرومائية لسد النهضة، وإن القدرة التي تعلنها هي محل شك!
فقد تم تصميم السد لإنتاج 6000 ميغاواط من الكهرباء، رفعت بعد ذلك إلى 6450 ميغاواط. وحسب معدل تدفق مياه النهر، يقول إن معدل الإنتاج الأكثر منطقية سيكون 2800 ميغاواط في أحسن الأحوال، فلماذا يتم تصميم السد أكبر من حجمه بمعدل 3200 ميغاواط إضافية وبتكلفة أعلى؟!
تمويل بالإكراه
في 23 أبريل سنة 2014، نقلت وكالة رويترز عن صندوق النقد الدولي أن كلفة السد التي تتجاوز أربعة مليارات دولار، تمثل نحو 12 بالمئة من الناتج المحلى الإجمالى للبلاد هو ثمن كبير لبلد مثل إثيوبيا. وقالت الوكالة إن إثيوبيا أرغمت البنوك الممولة لقروض شركات القطاع الخاص على تخصيص ما تعادل نسبته 27 في المئة من أموالها كقروض للمشروعات الحكومية بعائد منخفض، ما يمثل ضريبة، أو إتاوة عليها.
وهو في نفس الوقت استنزاف للموارد التمويلية يعرض فرص الاقتراض المتاحة لمستثمري القطاع الخاص وحصيلة البلاد من النقد الأجنبي للخطر ويضر بالناتج المحلي للدولة. وقالت رويترز إن الحكومة تعارض الرأي القائل بأن الإنفاق بسخاء على المشروعات العامة يضر بالأداء الاقتصاد العام.
يقول أصفاو بيين، إن توقف التمويل الدولي لمشروع السد المحاط بالسرية دفع الحكومة الإثيوبية إلى البحث عن وسائل غير أخلاقية لجمع الأموال للسد، حيث أجبرت المواطنين على شراء السندات الحكومية بالإكراه لتمويل بناء السد، وهو ما سجلته شبكة سي إن إن الإخبارية في 2012. كما يتم خصم جزء من رواتب الموظفين المدنيين دون موافقتهم، وهو انتهاك واضح لحقوق العمال.
وقال إن الحكومة الإثيوبية تقوم بإغواء المواطنين بشراء لعبة اليانصيب من أجل سد النهضة وإيهام الفائزين بأنهم سوف يحصلون على أكثر من 450 ألف دولار أمريكي، ما يعادل 10 ملايين بير إثيوبي. وحوكم صحفي بتهمة الإرهاب وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين بسبب كتابته تقريرا عن إجبار موظفي الحكومة على التبرع لبناء السد.
يقول أصفاو، إن النظام الإثيوبي يقمع مواطنيه وينتهك حقوق الإنسان في سعيه إلى بناء سد النهضة. فالحكومة تحجب معلومات التنمية عن الجمهور، وتحرمهم من حرية التعبير عن أرائهم فيما يتعلق بسد النهضة، واعتقلت صحفيا آخر يُدعى مولوكين تيسفاو في 4 مايو/ أيار 2013 لنشره تقارير عن المزارعين الذين أجبروا على ترك أراضيهم في منطقة بني شنقول- غوموز، وهي المنطقة التي يُبني عليها السد.
السد سيزيد الفقر
الخبير الإثيوبي إيزانا كيبيدي، وهو متخصص في السياسات المالية، شكك في أن بلاده التي تستهلك 1800 ميغاواط من الكهرباء يمكن أن تبيع كهرباء سد النهضة إلى دول مثل إرتريا وجنوب السودان واليمن كما تزعم حكومة بلاده، لأن الدول الثلاث لا تزال في حالة حرب أهلية ولن تشتري الكهرباء حاليًا.
وقال في مقال نشره بتاريخ 30 مارس/آذار 2015 إن الحكومة لم تبع سوى 400 ميغاواط لكينيا، و60 ميغاواط لجيبوتي الفقيرة. وتساءل كيبيدي، لمن ستبيع الباقي من 6000 ميغاواط غير مصر؟!
ورغم توقع الخبير الإثيوبي شراء مصر كهرباء سد النهضة، فلم يستبعد رفض مصر شراء كهرباء السد بسبب تضررها منه، وتوقع أن يفقد السد جدواه في هذه الحالة ويفشل المشروع في تغطية نفقات التشغيل والصيانة، فضلًا عن تحقيق أرباح للمساهمين.
يقول أصفاو بيين، الحكومة أعطت الأمل لدى المواطنين في الحصول على حصة عادلة من الكعكة، بما في ذلك الحصول على الكهرباء، والأرباح من بيع الكهرباء للخارج. ولكن في الواقع، فإن عددا قليلا جدا من الإثيوبيين سيحصل بالفعل على الكهرباء.
أما تحقيق الأرباح فهذا محل شك، لأن احتمالات توليد السد أكثر من 2800 ميغاواط تبقى منخفضة وقد لا يكون هناك أرباح يمكن توزيعها.
قالت منظمة الأنهار الدولية في تقرير نشرته على موقعها في يناير سنة 2018، إن سد النهضة قد يجعل فقراء إثيوبيا أكثر فقرًا. ذلك أن التمويل الذاتي للمشروع محفوفًا بالمخاطر في دولة فقيرة مثل أثيوبيا، لأنه يحبس الموارد المتاحة في مشروع مثير للجدل، ويقلل من قدرة الدولة على الاستثمار في مشاريع تنموية أخرى.
وبينت التقديرات المالية الأولية التي أجرتها المنظمة الدولية أن صافي القيمة الربحية للمشروع خلال 50 سنة لا تتجاوز 640 مليون دولار، يعني أقل من مليار واحد، في وقت تبلغ تكلفة المشروع 4 مليارات و800 مليون دولار.
وتعقيبا على دراسة الخبير الإثيوبي، ميهاري بيين، وصفت المنظمة السد بأنه “مضيعة للوقت والمال ومسيس حيث يتم بناؤه لدوافع سياسية”. ما يؤكد أن المشروع لن ينير ظلام إثيوبيا ولن يحقق نهضة وتنمية مزعومة. أما عن الدوافع السياسية للسد فيمكن تناولها في مقال آخر.

* د. عبد التواب بركات كاتب وأكاديمي، مستشار وزير التموين المصري سابقاً

المصدر: الجزيرة نت – الدوحة

موضوعات تهمك:

الاتحاد الأفريقي: اتصالات “مباشرة” بين حكومة إثيوبيا وجبهة تيغراي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة