دولة داخل الدولة لصرب كوسوفو: أحقاد البلقان لا تموت

دوّت صفارات الإنذار الخاصة بالغارات الجوية لأكثر من ثلاث ساعات في بلدة ميتروفيتشا
يعيش صرب كوسوفو وكأنهم دولة داخل الدولة، التي يشكّل الألبان نحو 92 في المائة من سكانها.
أظهر التوتر الحدودي الأخير بين كوسوفو وصربيا، أن الجروح الناجمة عن الحروب اليوغسلافية في التسعينات لم تلتئم بعد.
وأفادت البعثة التي يقودها حلف الناتو في كوسوفو “كفور” في بيان، بأن “الوضع الأمني العام في بلديات كوسوفو الشمالية متوتر”.
أكثر ما تخشاه صربيا، هو احتمال إجراء استفتاء لضمّ كوسوفو إلى ألبانيا وتشكيل “ألبانيا الكبرى”، وهو مشروع يحظى بتأييد سلطات كوسوفو.
دأبت صربيا على زعزعة استقرار كوسوفو بـ”الكثير من الأعمال العدوانية، كإغلاق الطرق وإطلاق النار بالمناطق الشمالية التي يسيطر عليها الصرب”.
بعد 14 عاماً من استقلال كوسوفو عن صربيا ما زال نحو 50 ألف صربي بشمال البلاد، يستخدمون لوحات معدنية ووثائق من صربيا رافضين الاعتراف بمؤسسات كوسوفو.
* * *
أظهر التوتر الحدودي الأخير بين كوسوفو وصربيا، أن الندوب الناجمة عن الحروب اليوغسلافية في التسعينات لم تلتئم بعد.
واستعر التوتر عقب إعلان حكومة كوسوفو أنها تنوي تنفيذ قرار يلزم الأقلية الصربية في شمال البلاد، على الحدود مع صربيا، بالتقدم بطلب للحصول على لوحات تراخيص سيارات صادرة عن مؤسسات بريشتينا.
إلا أن الحكومة أرجأت تطبيق هذه الخطة شهراً واحداً بعد وقوع صدامات ميدانية.
قطع طرقات وإطلاق نار
وأقام المحتجون الصرب حواجز على الطرق في وقت متأخر، من مساء أول من أمس الأحد، وأوقفوا شاحنات مليئة بالحصى وآليات ثقيلة أخرى على الطرق المؤدية إلى معبري يارينجي وبرنجاك الحدوديين في منطقة يشكل الصرب أغلبية فيها. وقالت شرطة كوسوفو إنها اضطرت لإغلاق المعبرين.
وفي وقت سابق، قالت الشرطة إن أعيرة نارية أطلقت “باتجاه وحدات الشرطة لكن لحسن الحظ لم يصب أحد”.
وذكرت أيضاً أن المتظاهرين الغاضبين اعتدوا بالضرب على العديد من الألبان الذين كانوا يمرون على الطرق التي أغلقت وإن بعض السيارات تعرضت للهجوم.
ودوّت صفارات الإنذار الخاصة بالغارات الجوية لأكثر من ثلاث ساعات في بلدة ميتروفيتشا الشمالية الصغيرة التي يشكل الصرب أغلب سكانها.
وقبل عام، بعد أن قام الصرب المحليون بإغلاق نفس الطرق بسبب لوحات التراخيص، نشرت حكومة كوسوفو قوات شرطة خاصة وأطلقت بلغراد طائرات مقاتلة بالقرب من الحدود.
وأعلنت حكومة كوسوفو برئاسة ألبين كورتي، أنها ستمنح الصرب فترة انتقالية مدتها 60 يوماً للحصول على لوحات معدنية صادرة عن كوسوفو، بعد عام من التخلي عن محاولة فرضها بسبب احتجاجات مماثلة.
وقررت حكومة كوسوفو أنه اعتباراً من الأول من أغسطس/آب الحالي يتعين على جميع مواطني صربيا الحصول على وثيقة إضافية على الحدود لمنحهم الإذن بالدخول.
وتطبق سلطات بلغراد نفس الأمر على سكان كوسوفو الذين يزورون صربيا. لكن في أعقاب التوتر الذي ساد، مساء الأحد، والمشاورات مع سفراء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قالت الحكومة إنها ستؤجل خطتها لمدة شهر على أن تبدأ في التنفيذ في الأول من سبتمبر/أيلول المقبل.
واتهمت حكومة كوسوفو صربيا، أمس الاثنين، بمحاولة زعزعة استقرار البلاد. وتحدثت في بيان عن “الكثير من الأعمال العدوانية، كإغلاق الطرق وإطلاق النار في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الصرب”.
وكان الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، قد شدّد في وقت متأخر الأحد، على أهمية مواصلة الحوار بين بلاده وكوسوفو وبدء حل المشاكل “سلمياً” بينهما إثر تصاعد التوترات الحدودية.
وأضاف: “ناشدنا الممثلين الدوليين لفعل كل ما في وسعهم من أجل وقف التوترات على حدود كوسوفو”. وأكد أن صربيا ستعمل على تهدئة الوضع على حدود كوسوفو “مهما بلغت صعوبته وستنتصر ولن تستسلم”.
وأفادت البعثة التي يقودها حلف الناتو في كوسوفو “كفور” في بيان، بأن “الوضع الأمني العام في بلديات كوسوفو الشمالية متوتر”.
وفي موسكو، ألقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا باللوم في التوتر المتزايد على ما وصفته “بالقواعد التمييزية التي لا أساس لها” التي تفرضها سلطات كوسوفو.
وكانت كوسوفو جزءاً من يوغوسلافيا إلى أن أدت انتفاضة مسلحة بين عامي 1998-1999 من جانب الأغلبية الألبانية في الإقليم إلى حملة قمع دامية شنها الصرب. وأدت حملة قصف لحلف الأطلسي، لإجبار القوات الصربية على الخروج من كوسوفو لإنهاء الحرب.
بيد أن صربيا ترفض الاعتراف بإعلان كوسوفو الاستقلال عام 2008. وبعد 14 عاماً من إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا ما زال نحو 50 ألف صربي (من أصل 1.9 مليون نسمة في كوسوفو) يعيشون في شمال البلاد، ويستخدمون اللوحات المعدنية والوثائق الصربية رافضين الاعتراف بالمؤسسات التابعة للعاصمة بريشتينا.
وتعترف أكثر من مائة دولة، ليس من بينها صربيا وروسيا، بكوسوفو دولة مستقلة. ولا تزال التوترات شديدة بين البلدين، وتحافظ بعثة حلف شمال الأطلسي التي يبلغ قوامها 3770 جندياً على الأرض على السلام الهش في كوسوفو.
وشوهد جنود حفظ السلام الإيطاليون في ميتروفيتشا وما حولها، أول من أمس الأحد. والتزم البلدان في عام 2013 بإجراء حوار برعاية الاتحاد الأوروبي لمحاولة حل القضايا العالقة، لكنه لم يتم إحراز تقدم يذكر.
وفي 19 إبريل/ نيسان 2013، وقّعت صربيا وكوسوفو “اتفاقية تطبيع العلاقات بين البلدين”، التي وصفها الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بـ”التاريخية”. وتقع 4 بلدات ومدن غالبية سكانها من الصرب في شمال كوسوفو، وهي ميتروفيتشا، وليبوسافيتش، وزفيتشان، وزوبين بوتوك.
وهذه المنطقة غنية بالثروات المعدنية والغابات، وتمتد على مساحة 13 في المائة من مساحة كوسوفو (10908 كيلومترات مربّعة).
ويرفع سكان هذه البلدات والمدن أعلاماً وصوراً صربية في مناطقهم، ويدفعون مشترياتهم بالدينار الصربي ويتابع التلاميذ المنهج التعليمي الصربي.
ولا يدفع السكان ضرائب ولا مقابل مياه ولا كهرباء، لأن كل محاولات الكوسوفيين لتنظيم هذه الأوضاع فشلت.
ويعمل الصرب في مؤسسات ممولة من صربيا وتعتمد هذه الوظائف في غالب الأحيان على ولائهم لتنظيم “سربسكا ليستا”، المرتبط بشكل وثيق بالحزب التقدمي الصربي الذي يتزعمه الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش، وهو الحزب الوحيد في المنطقة منذ اغتيال السياسي الصربي المعتدل أوليفر ايفانوفيتش الذي كان ينتقد بلغراد، في 2018.
محطات نفطية روسية ـ صربية في كوسوفو
وفي عام 2017 أسس الروس والصرب محطات نفطية في ميتروفيتشا، بمعزل عن قرار السلطة في البلاد، عبر شركة النفط الصربية – الروسية “نيس” (تملك الشركة الروسية غازبروم 51 في المائة من أسهمها).
وميتروفيتشا لا تبعد عن عاصمة كوسوفو بريشتينا سوى 30 كيلومتراً. كما افتتحت بلغراد خط قطار مباشرا، ربط للمرة الأولى بلغراد بميتروفيتشا. والقاطرة الأولى من القطار “هدية من روسيا”.
ويعيش صرب كوسوفو وكأنهم دولة داخل الدولة، التي تُشكّل الإثنية الألبانية نحو 92 في المائة من سكانها. مع ذلك، فإن أكثر ما تخشاه صربيا، هو احتمال إجراء استفتاء لضمّ كوسوفو إلى ألبانيا وتشكيل “ألبانيا الكبرى”، وهو مشروع يحظى بتأييد السلطات الكوسوفية.

المصدر: وكالات

موضوعات تهمك:

كوسوفو ترجئ خطتها بشأن الشمال بعد تزايد حدة التوتر

قد يعجبك ايضا