حكومة جديدة ببريطانيا يلاحقها ظل جونسون الطامح للعودة للسلطة!

محمود زين الدين9 سبتمبر 2022آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
محمود زين الدين
تقاريرمميزة
جونسون

من الصعب معرفة الأيديولوجية التي ستظهر من هذه المرحلة الاجتماعية والاقتصادية المضطربة في التاريخ البريطاني.
أسوأ كابوس لرئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس، التي تواجه تحديات كبيرة، هو الظل الدائم لسلفها بوريس جونسون.
“مساعدة الأمة تعني الاقتراض بالمليارات ووضع البلد في بحر من الدين، وهو الذي يجب دفعه من الضرائب التي وعدت تراس بتخفيضها لا زيادتها”.
ربط جونسون نفسه بالجنرال الروماني سنسيناتوس، حاكم الجمهورية الرومانية، بالقرن الرابع قبل الميلاد، الذي تحول للزراعة بعد مغادرة روما ثم عاد ليحكم كديكتاتور!
التضخم مرتفع جدا، فلم تعد الرواتب تتناسب معه، وبمواجهة زيادة الفواتير سيواصل العمال إضراباتهم ولو قاد هذا إلى شتاء السخط، فتراس محظوظة بمواجهة خريف اليأس.
جونسون الذي يعد بالعودة لم ينظف فوضى خلقها عندما قاد في 2016 حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي وتركها لامرأة لم يكن لديها الجاذبية والصخب مثله وقاد لصعوده المستمر إلى السلطة.
* * *
قال المعلق في صحيفة “الغارديان” جوناثان فريدلاند إن أسوأ كابوس لرئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس هو الظل الدائم لسلفها، بوريس جونسون.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء السابق ربط نفسه بالجنرال سنسيناتوس، حاكم الجمهورية الرومانية (في القرن الرابع قبل الميلاد) الذي تحول للزراعة بعد مغادرته روما ثم عاد مرة أخرى للحكم ليتحول إلى ديكتاتور.
وقال الكاتب إن جونسون خرج من 10 دوانينغ ستريت عندما أشرقت الشمس، أما تراس فدخلته وسط أمطار كثيفة خربت الترتيبات التي حضرها فريقها لتصوير دخولها إلى مقر الحكومة الجديدة كانتصار.
وفي العادة عندما يكون هناك نقل للسلطة تتركز العيون على القادم الجديد بدون الاهتمام بمن خرج. وكان هناك طريق واحد لتجنب هذا المصير وسار فيه جونسون، وكان نفس الطريق الذي مشى فيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي حاول تجنب صورة الزعيم السابق وأراد الحفاظ على أمل الزعيم المقبل.
ويقول الكاتب إنه كانت مشكلة صعوبة حركة الملكة إليزابيث التي شاهدت 15 رئيس وزراء يقبلون يدها (رمزيا) وتعطيهم الإذن لتشكيل الوزارات. ولكن رئيس الوزراء الرابع عشر الذي منحته الملكة التكليف منذ توليها عرش بريطانيا في الخمسينات من القرن الماضي، سافر بالطائرة لتقديم استقالته ومقابلة الملكة في قلعة اسكتلندية.
وقبل سفره وقف أمام مقر الحكومة فيما ظهر وكأنه الفصل الرابع من الملهاة الكوميدية، والتي قال فيها إن العرض لم ينته به. وبحسب فريدلاند اشتمل خطاب جونسون على كل الأكاذيب، حيث زعم أنه قدم للمواطنين العناية الاجتماعية وأنه أنهى ملف البريكسيت مع أن بروتوكول أيرلندا الشمالية لا يزال بدون حل. وتحدث عن المستشفيات التي بناها والممرضين الذين وظفهم إلى جانب إنجازاته الرقمية وتوسيع مدى الإنترنت.
ويرى الكاتب أن كل ما قدمه جونسون هو شفقة على النفس بدلا من الوعي بالأحداث، ولام تغيير القواعد التي قام بها الآخرون بها لإجباره على الرحيل، بدلا من لوم نفسه على خرق القواعد التي وضعها بنفسه وانتهكها.
وقدم سجله في الحكومة بأنه مجيد من “البريكسيت” إلى أوكرانيا والاقتصاد الذي زعم أنه تركه في وضع جيد، بدون أن يهتم بالتضخم وكلفة الحياة وتراجع مستوياتها منذ عام 1956 والطلب المتزايد على بنوك الطعام.
وقارن نفسه بالجنرال الروماني سنسيناتوس الذي غادر روما ليطلب منه العودة، وكان يعرف أن الصحافيين سيبحثون في ويكيبيديا عن الجنرال وقصته، واستخدم جونسون العبارة اللاتينية “سأعود”.
وقال الكاتب إنه عندما جاء دور تراس لكي تقف أمام المنصة، كانت السماء تمطر والحشد واقف تحت المظلات، وحاولت أن تكون متفائلة واستعارت من ديفيد كاميرون الذي حاول تقديم بريطانيا بـ”أمة ملهمة”، وكان هناك حديث عن الفرص والوظائف والتقدم وانترنت “معا سنواجه العاصفة” واعترفت بوجود “رياح عالمية خطيرة”، وسمت فقط كوفيد وبوتين، لكنها لم تذكر بريكست. لكن هذا جزء مما هو على الطبق، ففواتير الكهرباء والغاز سترتفع بشكل فلكي ستجعل العائلات معدمة والتجارة مفلسة.
وشدد فريدلاند على أن “مساعدة الأمة تعني الاقتراض بالمليارات ووضع البلد في بحر من الدين، وهو الذي يجب دفعه من الضرائب التي وعدت تراس بتخفيضها لا زيادتها”.
ويشير إلى أن التضخم مرتفع جدا، بحيث لم تعد الرواتب تتناسب معه. وفي مواجهة زيادة الفواتير، فالعمال سيواصلون إضراباتهم، ولو قاد هذا إلى شتاء السخط، فيجب على تراس اعتبار نفسها محظوظة في مواجهة خريف اليأس.
لكن المشكلة، حسب الكاتب، هي أن الرجل الذي يعد بالعودة، لم ينظف الفوضى التي خلقها عندما قاد في 2016 حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي وتركها لامرأة لم يكن لديها الجاذبية والصخب مثل ما تمتع به وقاد لصعوده المستمر إلى السلطة.
ويقول إن تراس ليست تيريزا ماي، فهي وإن افتقدت للمواهب الخطابية إلا أنها مستعدة وجاهزة للجوء إلى حيل جونسون غير السليمة والتفكير الخيالي. وعلى خلاف ماي ومثل جونسون، قررت تراس أن تحيط نفسها بالموالين، حتى مع حصولها على الثناء لتعيين وزراء في المناصب العليا من الأقليات.
لكن العبء الذي ورثته تراس سيكون مثل ذلك الذي ورثته مي، وأن عليها عمل المستحيل الذي جنب المصير جونسون عمله. ويضيف أنه عندما ستفشل مثلما فعلت مي، فسيعود جونسون محملا بوعوده. ويؤكد أن الخطأ لا يتحمله جونسون فقط لكن “الدجالين والانتهازيين الذي قبلوا العمل معه وهم يعرفون أنهم لا يستطيعون تنفيذ الوعود”.
وفي افتتاحيتها رأت “الغارديان” أن خطاب تراس كرئيسة للوزراء أعطاها الفرصة وأخيرا للحديث مع البلد وليس الحزب، وهي ليست خطيبة مفوهة، وليس لديها شعار اخترعته بنفسها، فـ”أمة ملهمة” هو شعار كاميرون. إلا أن خطابها كان محاولة لأن تقول للبريطانيين أنها جادة فيما تقول وقادرة على قيادة البلد.
وأكدت أن حكومتها ستركز على معالجة المشاكل التي تواجه البلد، الطاقة والعناية الصحية. ووزارتها هي تأكيد على أن حزب المحافظين وصل إلى مفترق طريق تاريخي في مرحلة ما بعد ظروف غير متوقعة. وقادت هذه الحزب للتخلي عن شعاراته.
فتراس تقدم نفسها كوريثة لتاتشر، إلا أن كلفة المعيشة تجعل من تدخل الدولة أمرا محتوما والأسواق لم تعد مقدسة. وستضطر الحكومة للحد من ارتفاع الأسعار والتحكم بالطاقة في الشتاء. وتظهر التسريبات أن تجميد فواتير الطاقة يعني دفعها من 90 مليار جنيه مصدرها الاقتراض.
وتضيف الصحيفة أنه بالإضافة لهذا فطموحات الحكومة ليس رخيصة، مثل بناء نظام صحي راق والمساواة بين المناطق، وهذه أمور ليست رخيصة. وتذهب تراس بعيدا في خفض الضريبة أكثر مما فعله الحزب، بشكل ينفع الأغنياء. وتقدم نفسها كوريثة لتاتشر، وهي مثل بطلتها تتولى السلطة بمعدلات تضخم عالية. مع أن مدخل تاتشر كان مختلفا، فقد زادت من الضريبة من أجل خفض العجز في الميزانية، وبرغم معدلات البطالة العالية والضرائب المتزايدة.
ورأت الصحيفة أنه من الباكر الحكم على ما ستفعله تراس في منصبها. إلا أن هناك إجماعا جديدا يتغاير مع التفكير المحافظ السابق. فبدلا من قيام البنك المركزي بالمساهمة في استقرار الاقتصاد، يبدو أن السياسة المالية هي التي تتحمل المزيد من الضغط.
وحتى في ظل هذا ليس هناك الكثير مما يوحي بأن هذا سيساعد بريطانيا ومن الصعب معرفة الأيديولوجية التي ستظهر من هذه المرحلة الاجتماعية والاقتصادية المضطربة في التاريخ البريطاني.
ومع ذلك قدمت تاتشر نفسها بالشخصية القادرة على كسب الحروب الثقافية ومقارعة نقابات العمال، مقدمة صورة مبالغ فيها بدلا من مواجهة المصاعب الخطيرة التي تواجه البلد.
وتختم الصحيفة بالقول في النهاية فالمشكلة الحالية ترتبط بتاتشر التي أصبح معها النمو الاقتصادي مرتبطا بالريع النابع من الخصخصة وسوق العقارات والانفجار في نشاطات المضاربة في سوق لندن المالي. ولو أرادت تراس معالجة المشاكل الحالية فعليها الانتباه لجذورها لا أعراضها.

المصدر: الغارديان

موضوعات تهمك:

ليز تراس: ثقة الأسواق قبل صناديق الاقتراع

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة