حتمية الصراع في شرق أوروبا

قد لا تنشب الحرب اليوم أو غداً لكن مواجهة ما بين روسيا والغرب ستدور رحاها بهذا الجزء من العالم قريباً.

تقدم أمريكا وحلفاءها هذه المرة دعماً أكبر لأوكرانيا لكنه دعم متردد والحشد الروسي أكبر وأوسع انتشاراً من 2014.

منذ 2014 انعكس التيار وغدت دول المنطقة بين مستسلم لنفوذ روسيا وبين من يحاول المقاومة مستعيناً بالغرب الذي بات المتغطي به عريانا.

هل الصراع في شرق أوروبا حتمي؟ نعم فانكفاء أمريكا وتراجعها عن التمدد الاستراتيجي نحو الشرق يترك مساحة لا يمكن لروسيا بوتين تجاهلها.

سارعت جمهوريات سوفييتية سابقة لأحضان أوروبا الغربية وغدا بعضها أعضاء بالاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو بينما توجه بعض آخر غربا سعياً لرضا الغرب.

بوصول بوتين للسلطة كانت روسيا قوة “سابقة” بالكاد تمارس نفوذها على جوارها المباشر، تحارب انفصال الشيشان وغيرها ولا تحرك ساكناً أمام تقدم الغرب نحوها.

يواجه الغرب خيارات محدودة: المغامرة باستعراض قوة عسكرية قد يؤدي لمواجهة غربية روسية عسكرية مباشرة أو الاكتفاء بعقوبات اقتصادية يكون التهديد بها رادعا لكرملين يعاني تحديات اقتصادية.

* * *

بقلم: ماجد محمد الأنصاري

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حرص الغرب على التمدد شرقاً لملأ فراغ استراتيجي كبير خلفه تفكك القوة العظمى الثانية، ومنذ ذلك الحين وروسيا تعلم أنها تتعرض للتآكل في أطرافها، حاولت موسكو في أعقاب الانهيار السوفييتي تشكيل تحالف يجمع شتات جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة.
لكن هذا العقد سرعان ما انحل وسارعت تلك الجمهوريات إلى أحضان أوروبا الغربية ليحصل بعضها على عضوية الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو بينما وجه البعض الآخر بوصلته غرباً سعياً للحصول على عين الرضا الغربية.
عند وصول بوتين إلى السلطة كانت روسيا تمثل قوة “سابقة” بالكاد تستطيع ممارسة نفوذها على جوارها المباشر، تحارب الانفصاليين في الشيشان وداغستان وغيرها، ولا تكاد تحرك ساكناً أمام تقدم الغرب نحوها.
بحلول عام 2008 بدأ المشهد يتغير، فبعد أعوام من سعي بوتين إلى عكس التيار نجح في إخماد الحرائق الداخلية وانطلق إلى الخارج ليشهد ذلك العام الحرب الروسية الجورجية التي دعمت فيها روسيا الانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وانتهى الأمر بضم هذين الإقليمين للاتحاد الروسي.
هذا النموذج تكرر في شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 حيث دعمت روسيا الانفصاليين هناك الذين ما أن انتزعوا استقلالهم بدعم عسكري روسي مباشر حتى طلبوا الانضمام للاتحاد الروسي.
ومنذ ذلك الحين انعكس التيار وأصبحت دول المنطقة بين مستسلم أمام النفوذ الروسي وبين من يحاول المقاومة مستعيناً بالغرب الذي بات المتغطي به عريانا.
اليوم وعبر استثمار حركة التمرد في إقليم دونباس في جنوب شرق أوكرانيا تهدد روسيا باقتطاع جزء جديد من البلاد أو حتى احتلالها بشكل كامل.
الحشود العسكرية الروسية تحيط بأوكرانيا كلها تقريبا وبطبيعة الحال لا قبل لقوات الحكومة الأوكرانية بهجوم روسي شامل، وبالتالي يمثل الدعم الغربي الخيار الوحيد أمام كييف لردع موسكو.
الغرب من ناحيته يواجه خيارات محدودة، إما المغامرة باستعراض قوة عسكرية قد يؤدي لأول مواجهة غربية روسية عسكرية مباشرة أو الاكتفاء بعقوبات اقتصادية على أمل أن يكون التهديد بها رادعاً للكرملين الذي يعاني تحديات اقتصادية.
وصلنا الآن للساعات الأخيرة حيث أكدت مصادر غربية أن موسكو تنوي بدء عملياتها العسكرية الثلاثاء أو الأربعاء، الأمر الذي تنفيه موسكو متهمة الغرب بالتهويل ومحاولة الاستفزاز.
الحرب الشاملة في الحقيقة ليست في مصلحة أي من الطرفين، لذلك لا شك أن كل طرف يتمنى أن يتراجع الآخر أولاً.
موسكو من ناحيتها ربما تريد اجتياحاً سريعاً وسهلاً كذلك الذي حدث عام 2014 مع رد فعل غربي دبلوماسي وحسب، والغرب يريد تراجعاً روسياً عن الحشد.
صحيح أن الولايات المتحدة وحلفاءها هذه المرة يقدمون دعماً أكبر لأوكرانيا لكنه دعم متردد والحشد الروسي أكبر وأكثر انتشاراً من 2014.
هل الصراع في شرق أوروبا حتمي؟ يبدو الأمر كذلك، انكفاء الولايات المتحدة وتراجعها عن التمدد الاستراتيجي نحو الشرق يترك مساحة لا يمكن لروسيا بوتين تجاهلها.
والرجل الأوروبي المريض لا يمكنه الوقوف أمام التهديد الروسي خاصة مع تباين المواقف أوروبياً، قد لا تنشب الحرب اليوم أو غداً ولكن مواجهة ما بين روسيا والغرب ستدور رحاها في هذا الجزء من العالم قريباً.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر.
المصدر| الشرق – الدوحة

موضوعات تهمك:

أزمات أوروبا الجديدة

قد يعجبك ايضا