تندمج في كازاخستان عند الروس طموحاتُ الهيمنة مع الثروات الكبيرة

أصبحت روسيا، في عصر ما بعد العولمة، جهةً مختصّة بقمع الثورات، تحت نظر العالم وسمعه، وهي تفعل ذلك بأساليب أقل ما يقال فيها أنّها جرائم إبادة

ومن الأدوات التي تستخدمها روسيا في توسيع دائرة نفوذها دعم الحكام الطغاة في مواجهة ثورات الشعوب، وتعزيز قوّة العصابات الحاكمة، كما في بيلاروسيا.

تشكل الثورات فرصة لتعزيز المشروع الجيوسياسي الروسي وتوسيع آفاقه وبكلف رخيصة وحقّق لروسيا حلمها المزمن بالوصول للمياه الدافئة بدماء شعوب المشرق وانتهازية أميركا.

* * *

بقلم: غازي دحمان

بقدر ما تشكّل الثورات في البلدان التي يحكمها أشباه الرئيس الروسي، بوتين، وأتباعه، خطراً على روسيا ينذر بسقوط التشكيلات التي صنعتها لحكم هذه البلدان، فإنه يشكل فرصة لتعزيز المشروع الجيوسياسي الروسي وتوسيع آفاقه وبكلف رخيصة، كما حصل في سورية، حيث حقّقت روسيا حلمها المزمن بالوصول إلى المياه الدافئة بدماء شعوب المشرق وانتهازية أميركا.
لم يعد بقايا تلاميذ الشيوعية السوفياتية صالحين للحكم، في زمنٍ تغيّرت فيه المعطيات بدرجة كبيرة، وبات من الصعب معالجة الفجوة بين البنى الاجتماعية المتطوّرة والمؤسسات السياسية المتخلفة بعمليات رتقٍ بسيطة، أو من خلال خطابات سياسية فسدت مفرداتها وباتت غير صالحةٍ للاستهلاك السمعي ولا لإقناع حتى الذين ما زالوا يحفظون في رؤوسهم بعض بقايا أيديولوجية ستالينية بائدة.
في العادة، تلقي روسيا اللوم على الغرب لدى حصول أي ثورةٍ شعبيةٍ في محيطها، في كازاخستان وبيلاروسيا وقبلهما أوكرانيا، وحتى سورية التي أُدخِلَت عنوةً في الفضاء الأوراسي، وضمن حدود الأمن القومي الروسي، وغالباً ما يتبع أتباعها روشيتة واحدة للتعامل مع الثورات، تقوم على ثلاثة أركان: استخدام القوّة المميتة ضد المعارضين، ثم وصفهم بالإرهابيين والمسلحين، وهذه مقدّمة لرفض تقديم أي تنازل أو التفاوض مع المعارضين بوصفهم إرهابيين ومجرمين.
كازاخستان واحدة من قطع الفضاء الجيوسياسي الروسي، الذي يمتد على مساحة جغرافية الاتحاد السوفييتي السابق في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. وللأخيرة خصوصية مميزة عند الاستراتيجيين الروس، الذين ما زالوا مؤمنين بنظرية السير هالفورد جون ماكـِندر، أحد مؤسسي الجيوبوليتيك، وقد رأى في سهوب آسيا الوسطى، التي تقع المساحة الأكبر منها في كازاخستان، قلب العالم، ومن يسيطر على هذا القلب يسيطر على العالم.
وتتناسب هذه النظرية مع الميزة الروسية على مستوى العالم، وهي القوة البرّية الكبيرة التي تساندها قوّة جوية، ويمكن من خلالهما تحقيق نتائج مهمة في مواجهة القوّة البحرية، الولايات المتحدة وبريطانيا.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تندمج في كازاخستان عند الروس طموحاتُ الهيمنة مع الثروات الكبيرة التي يسيل لها لعاب المافيا الروسية، حيث تنام البلاد على مخزوناتٍ ضخمةٍ من النفط والغاز واليورانيوم، كذلك فإنها تبشّر بإمكانية إيجاد عالم أوراسي من خلال وقوف الصين مع روسيا لقمع أي تغييراتٍ قد تحصل في كازاخستان، لما للصين من مصالح اقتصادية وأمنية هائلة مع بلادٍ تشترك معها في حدود شاسعة يقع أغلبها مع مقاطعة تركستان الشرقية، موطن الإيغور الذين تضطهدهم الصين، وتتخوف من أيّ تغيراتٍ قد تحصل في كازاخستان وقرغيزستان، كي لا تتحوّل هذه المناطق إلى عمقٍ حيوي للمقاتلين الإيغور يستنزف الصين.
من الواضح أنّ روسيا تستثمر، بشكل فعال، الاضطرابات التي تحصل في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق لتعزيز نفوذها وإعادة رسم خرائط نفوذ جديدة، حيث تنتهج طريقاً يضعها في موقع رابح-رابح دائماً، حيث لا تكلفها تدخّلاتها موارد كبيرة، إذ تعتمد، في الغالب، على الجاليات الروسية التي جرى توطينها في السابق ضمن بلدانٍ عديدة، وباتوا مواطنين لهم كامل الحق والتأثير بسياسات هذه البلدان.
وفي الوقت نفسه، ما زالوا في حسابات روسيا مواطنين روسا، ويمكن أن تتذرّع روسيا بحمايتهم، وهو حقٌّ لا يمكن المجادلة به. وفي كازاخستان، يشكل الروس 20% من مجموع السكان.
ومن الأدوات التي تستخدمها روسيا في توسيع دائرة نفوذها دعم الحكام الطغاة في مواجهة ثورات الشعوب، وتعزيز قوّة العصابات الحاكمة، كما في بيلاروسيا.
وجديد تلك الأدوات استخدام ما تسمى قوى حفظ السلام التابعة لمنظمة “معاهدة الأمن الجماعي” التي تنخرط فيها روسيا مع دول آسيا الوسطى، التي سبق أن أُرسِلَت لفضّ النزاع بين أرمينيا وأذربيجان.
وفي كلّ هذه الحالات، لا تخرج القوات الروسية بعد إنجاز المهمة، أي بعد القضاء على الثورات بالحديد والنار، بل يحوّل بوتين البلد المعني إلى ولاية روسية يحرّك سياساتها بما يتناسب مع مشروعه الجيوسياسي. ولو افترضنا أنّ بعض حكام هذه البلاد كان لديه أمل أو رغبة في تحقيق توازن في علاقاته الخارجية، فإن عليه، مع حضور الدبّ الروسي إلى كرمه، أن يتهيأ ليصبح محافظاً لدى بوتين، ويودّع، ربما إلى الأبد، الاستقلال والسيادة وأشباههما.
وهكذا، تصبح روسيا، في عصر ما بعد العولمة، جهةً مختصّة بقمع الثورات، تحت نظر العالم وسمعه، وهي تفعل ذلك بأساليب أقل ما يقال فيها أنّها جرائم إبادة. واللافت أنّ العالم قبلَ هذه المهمة، وإن ظهرت على هوامش المذابح الروسية الجارية أصوات من هنا وهناك، من دون أفعال موازية واستراتيجيات مضادّة لردع المهمة الروسية في قمع ثورات الشعوب الهادفة إلى التخلص من الفساد من نخبٍ فقدت شرعيتها، فلا هي قادرة على ضبط مجتمعاتها ولا ضبط نفسها، وتحوّلها إلى نخب سياسية محترمة.
الغريب في ذلك أيضاً أنّ بوتين بات يتصيّد الثورات لإعادة بعث الاتحاد السوفياتي السابق، ومع احتمال نشوب مزيد من الثورات، واستمرار انتهازية الغرب وأوروبا، سنكون على موعدٍ مع إعادة تشكيل جديد للنظام العالمي يقع في قلبه الاتحاد السوفياتي جديد.

* غازي دحمان كاتب وباحث سياسي سوري
المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

تداعيات أزمة كازاخستان على أوكرانيا

قد يعجبك ايضا