تكتّل غربي لإنهاك روسيا: الحرب العالمية بدأت للتوّ

«أميركا باتت تفكّر الآن بربح الحرب في أوكرانيا».
لا تُسلِّم الإمبراطوريات بتراجع قدرتها على السيطرة وانحسار هيمنتها بسهولة!
المطلوب هو «إضعاف روسيا إلى درجة لا تتمكّن فيها من الإقدام على خطوات مثل غزو أوكرانيا».
يمثل «اجتماع رامشتاين» الأمني محطّة مهمّة في مسار التورّط الغربي العلني في الحرب مع روسيا.
واشنطن عازمة على المضيّ في مواجهة طويلة الأمد مع روسيا لاستنزافها وإنزال هزيمة منكرة بها، واستخدام أوكرانيا لهذه الغاية.
اعتقدت نخب الإمبراطورية الأميركية بقدرتها على وقف صعود الصين وروسيا في الآن نفسه، ما دفعها إلى اعتماد سياسة احتواء عدوانية في حقّهما.
«الهدف ليس فقط دعم دفاعات أوكرانيا بل مساعدة هذا البلد على الانتصار ضدّ قوّة غازية أكبر. سنواصل تحريك السماء والأرض لنتمكّن من تحقيق ذلك».
ظنّت أميركا أن بإمكانها الاستمرار باستراتيجية الانتشار العسكري الهادئ حول روسيا لتطويقها وخنْقها، وعندما قامت روسيا بعملية استباقية لكسْر التطويق بالتدخل عسكريّاً في أوكرانيا، رفعت أميركا وتيرة حربها عليها.
* * *

بقلم: وليد شرارة
مَن يشكّ في أن الحرب في أوكرانيا حربٌ عالمية بالوكالة حتى الآن، عليه أن يراجع المواقف الصادرة عن المسؤولين الأميركيين والغربيين خلال الأيام الماضية. لم يَعُد هؤلاء يتردّدون في الإفصاح عن الأهداف الفعلية للحرب التي يشنّونها على روسيا.
التصريح المليء بالدلالات الذي أدلى به وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، خلال زيارته المشتركة مع وزير الخارجية أنتوني بلينكن، إلى كييف، والذي أعلن فيه أن المطلوب هو «إضعاف روسيا إلى درجة لا تتمكّن فيها من الإقدام على خطوات مثل غزو أوكرانيا»، أوضحَ، لمَن كان بعض الشكّ يساوره، النوايا الحقيقية لواشنطن حيال موسكو.
وأتى اجتماع رامشتاين الأمني الذي عُقِد بقاعدة «رامشتاين» الجوية في ألمانيا، والذي جَمَع إلى الولايات المتحدة، 40 دولة حليفة لها، لتنظيم إحدى أضخم عمليات تدفُّق السلاح نحو أوكرانيا، وقال خلاله أوستن إن «الهدف ليس فقط دعم الدفاعات الأوكرانية، ولكن مساعدة هذا البلد على الانتصار ضدّ قوّة غازية أكبر. سنواصل تحريك السماء والأرض لنتمكّن من تحقيق ذلك»، ليكمل توضيح الصورة.
يعني هذا الكلام أن واشنطن عازمة على المضيّ في مواجهة طويلة الأمد مع موسكو، لاستنزافها وإنزال هزيمة منكرة بها، واستخدام الأوكرانيين لهذه الغاية.
تعليقاً على هذه التصريحات، اختارت مجلّة «إيكونوميست» «الرصينة» لمقالٍ مخصّص حول هذا الموضوع، العنوان التالي: «أميركا باتت تفكّر الآن بربح الحرب في أوكرانيا».
سبق هذه المواقف، نقاش جدّي في واشنطن بين النُخب المعنية بالسياسة الخارجية عن ضرورة تحديد أهداف المجابهة الدائرة مع موسكو، وطالب أحد ممثّليها البارزين، ريتشارد هاس، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية»، في مقال على موقع «فورين أفيرز»، بتعريف الانتصار في هذه المجابهة، من المنظور الأميركي والغربي.
تكفّل أوستن بتقديم مثل هذا التعريف. في الواقع، ظنّت الولايات المتحدة أن في إمكانها الاستمرار باستراتيجية الانتشار العسكري الهادئ حول روسيا لتطويقها وخنْقها، وعندما قامت الأخيرة بعملية استباقية لكسْر هذا التطويق، عبر التدخل عسكريّاً في أوكرانيا، رفعت الأولى من وتيرة حربها عليها. أيُّ تحليل آخر لخلفيات المعركة الجارية راهناً هو ترويج للسرديّة الأميركية لا أكثر.
ومن نافل القول إن القيادة الروسية التي اتّخذت قراراً بالتصدّي لاستراتيجية «الناتو» قد استعدّت للاحتمالات الأسوأ التي قد تنجم عنه، بما فيها تلك التي تفترض صداماً مباشراً مع هذا الحلف، يتخلّلها لجوء إلى أسلحة غير تقليدية. حافة الهاوية ليست بالبعد الذي يتصوّره البعض.
انكشاف النوايا
الاجتماع الأمني في «رامشتاين» يمثّل محطّة مهمّة في مسار التورّط الغربي العلني في الحرب مع روسيا، وتحوُّلها إلى حربٍ عالمية. قبل هذا الاجتماع، توافرت معلومات كثيرة، وجلّها من مصادر غربية، عن حجم التورّط الأطلسي في تجهيز الأوكرانيين بأسلحة نوعية مضادة للدروع والطائرات، وبتدريبهم عليها، منذ عام 2015، وكذلك في وجود قوات خاصة أميركية وبريطانية، وأخيراً فرنسية، على الأرض، للمساهمة في مواجهة القوات الروسية حالياً. غير أن ما جرى الكشف عنه في الاجتماع المذكور، يلقي ضوءاً إضافياً عن مدى هذا التورّط.
منذ بداية الحرب، قدّمت الولايات المتحدة أسلحة وذخائر بقيمة 5 مليارات يورو، وفرنسا بقيمة 100 مليون، وألمانيا بقيمة 120 مليوناً. لائحة الأسلحة الأميركية تضمّنت 5000 صاروخ مضاد للدروع من طراز «جافلين»، و7000 صاروخ مضاد للدروع من نوعيات أخرى، و1400 منظومة صاروخية من طراز «ستينغر»، و121 مسيّرة انتحارية من طراز «فينيكس غوست»، ومئات المسيّرات الانتحارية من طراز «سويتش بلايد»، و72 مدفعاً ثقيلاً مع 144000 قذيفة، و7000 بندقية هجومية مع 50 مليون من الذخائر، والصواريخ الموجّهة باللايزر، ومسيّرات «بوما»، ورادارات لا تكشفها المسيّرات، ومدرعات خفيفة، وأنظمة اتصال مقاومة للتشويش. من جهتها، سلّمت فرنسا الأوكرانيين صواريخ «ميلان»، وستقدِّم لهم مدافع من طراز «قيصر» وذخائر من نوعيات مختلفة.
أما بريطانيا، فأرسلت 4800 صاروخ من طراز «إن لاو» المضاد للدروع، وصواريخ «جافلين»، وأعلنت عزمها على تقديم 6000 صاروخ إضافي وصواريخ «ستار ستريك» المضادة للطائرات، و120 مدرعة خفيفة، وأنظمة صاروخية مضادة للسفن. ووعد رئيس وزرائها، بوريس جونسون، بإعطاء بولونيا مدرعات لتقوم بدورها بتسليم أوكرانيا دبابات سوفياتية بحوزتها من طراز «ت72».
وستقوم ألمانيا بتسليم أوكرانيا عربات مصفّحة من طراز «غيبارد» مجهّزة بأنظمة صاروخية مضادة للطائرات. وقد توافق المجتمعون في «رامشتاين» على مضاعفة كميات الأسلحة الثقيلة المقدَّمة لأوكرانيا، والتي تشمل المزيد من المسيّرات والمدافع الحديثة ومضادات للطائرات وللدروع ومركبات مدرعة.
كميات الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا ونوعيتها، والتقييم الذي قُدِّم من قِبَل المسؤولين الغربيين المشاركين في الاجتماع عن سَيْر المعارك في أوكرانيا، وما يعتبرونه إخفاقاً روسياً في الميدان، يعزِّز فرص كييف وحلفائها في الانتصار على المدى الطويل، تؤكد جميعها أننا أمام حرب استنزاف يخوضها «الناتو» لتحويل أوكرانيا إلى «فشل استراتيجي» لروسيا، بحسب التعبير الذي استخدمه أنتوني بلينكن، في خطابه أمام الكونغرس، قبل يومين.
وقد أصبح العديد من المحلّلين الغربيين يعترف بأن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، لكن بالوكالة حتى اللحظة، ولم يَعُد من المستحيل أن تتطوّر نحو صدام مباشر أطلسي – روسي.
لا انحدار «ناعماً» للإمبراطوريات
لا تسلِّم الإمبراطوريات بتراجع قدرتها على السيطرة وانحسار هيمنتها بسهولة. التاريخ الممتدّ من بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، حافل بالأمثلة عن حروب التطاحن التي خاضتها في ما بينها للحفاظ على دوائر نفوذها أو توسيعها، وكذلك بتلك التي شنّتها على شعوب جنوب العالم للتحكّم بثرواتها ومصائرها. تتأسّس الإمبراطوريات من خلال الحرب، وبفضلها تزدهر، أو إذا هزمت فيها، تنحدر.
اعتقدت نخب الإمبراطورية الأميركية بقدرتها على وقف صعود الصين وروسيا في الآن نفسه، ما دفعها إلى اعتماد سياسة احتواء عدوانية في حقّهما. حذّرت قيادتا البلدَين، الولايات المتحدة من المخاطر المترتّبة عن مثل هذه السياسة.
لم يكتفِ الرئيس الروسي برفع الصوت ضدّ مشاريع توسيع «الناتو» شرقاً، عبر ضمّ أوكرانيا وجورجيا إليه، والذي رأى فيه استمراراً لسياسة الاحتواء التي أدّت إلى سقوط الاتحاد السوفياتي.
هو تحدّث في مناسبات عدّة عن احتمال وقوع حرب نووية بسبب التوجّهات الأميركية والغربية المعادية لروسيا، كما فعل، مثلاً، في منتدى «فالداي» في 2018، عندما اعتبر أنه في حال بدأت مثل هذه الحرب، «ستكون روسيا الضحية، لكن على المعتدين أن يعلموا أن الانتقام لا مفرّ منه. الحرب النووية ستفضي إلى كارثة عالمية، لكن الروس سيذهبون إلى الجنة كشهداء، أما المعتدون فسينفقون من دون القدرة حتى على الاعتراف وطلب التوبة».
لم يرد هذا الكلام على سبيل المزايدة والتهويل، ولا ذلك الذي صدر أخيراً عن وزير الخارجية سيرغي لافروف، عن مخاطر اندلاع حرب نووية. تطرّق لافروف، أحد أهمّ الديبلوماسيين على المستوى العالمي في العقدين الماضيين على الأقل، لمثْل هذا الاحتمال يجب أن يقلق العاقلين في أوساط النخب الحاكمة الغربية، لأنه يعكس الرؤية الحقيقية للقيادة الروسية للطبيعة الوجودية للصراع المستعر على الأرض الأوكرانية.
لقد عزّز التورّط المتعاظم للغرب في هذا الصراع، قناعات الأخيرة حيال ما يضمره لها، وجهر به أوستن عندما حدّد إضعاف روسيا هدفاً. هذا الكلام، بالنسبة إلى الكرملين، هو إقرار بأن الغاية هي تدمير روسيا عبر حرب بالوكالة. وجود مثل هذه القناعة لدى الدول التي يشنّ عليها هذا النمط من الحروب، هو الذي حفزها في الكثير لاستهداف الأصيل بدلاً من الوكيل وحده.
* د. وليد شرارة كاتب وباحث في العلاقات الدولية
المصدر: الأخبار – بيروت

موضوعات تهمك:

تركيا بين روسيا والغرب.. لعب على حافة الهاوية

قد يعجبك ايضا