تغييرات أساسية في الأيديولوجيا القومية

أهمية قصوى لتطوير كل أيديولوجيا بصورة دائمة، لإنعاش حيويتها ولربطها بكل مستجدات الواقع الذي تسعى لإصلاحه وتغييره.

يجب أن نفكر في نظام اقتصادي يأخذ واقعنا ودروس المجتمعات الأخرى بعين الاعتبار ويبتعد عن الترقيعات والمخاوف غير المبررة.

هل آن أوان نظام اقتصادي جديد، لا رأسماليا نيوليبراليا ولا كلاسيكيا، كمكون رئيس من أيديولوجيا قومية عروبية حاول المشروع النهضوي العربي رسم كل مكوناتها؟

* * *

بقلم: علي محمد فخرو

في مقالة الأسبوع الماضي بينا لشابات وشباب الأمة، أمل المستقبل وإمكانياته الهائلة، خطأ القائلين بعدم جدوى الأيديولوجيات في المجتمعات العربية. وقد ركزنا على الأهمية القصوى لتطوير كل أيديولوجيا بصورة دائمة، لإنعاش حيويتها ولربطها بكل مستجدات الواقع الذي تسعى لإصلاحه وتغييره.
وهذا ما حدث للأيديولوجية القومية العروبية، عبر العقود الماضية، لكن بصورة خاصة بعد تراجع وجودها الفاعل منذ سبعينيات القرن الماضي.
ولعل أكبر محاولة للمراجعة والتجديد تمثلت في المشروع النهضوي العربي، الذي عمل على بلورته بضع مئات من مفكري وناشطي السياسة العرب، بمبادرة من مركز دراسات الوحدة العربية.
كان أكبر تطوير هو اعتبار الديمقراطية، بمكونها السياسي القائم على حرية التعبير، وتكوين الأحزاب، والانتخابات النزيهة، وفصل سلطات الحكم التشريعية والتنفيذية والقضائية، والتبادل الدوري لسلطات الحكم، والاحتكام إلى القانون، والمواطنة المتساوية، وأيضاً وبصورة مساوية بمكونها الاقتصادي القائم على عدالة توزيع الثروة، والحفاظ على الكرامة الإنسانية ومسؤولية الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعية والمعيشية الأساسية، باعتبارها جزءاً أساسياً من المشروع النهضوي العربي.
هذا التطوير كان خطوة هائلة في أيديولوجيا اعتقدت في بداياتها، أن الديمقراطية ليست أكثر من لعبة تضليلية في يد قوى البورجوازية والثراء في المجتمع، وبالتالي لا أهمية لها.
وكان التغيير الثاني الكبير، هو اعتبار التنمية الإنسانية الشاملة المستقلة مكوناً لازماً في الأيديولوجيا القومية العروبية، وفي قلبها بالطبع الموضوع الاقتصادي، لكن المشروع اكتفى بوضع المبادئ العامة، مثل العدالة الاجتماعية ورفض التبعية، من دون أن يسمي النظام الاقتصادي المنشود بالاسم.
ولعله كان يحاول تجنب الدخول في المماحكات القديمة حول «الاشتراكية العربية» مرجعية ومبادئ وتطبيقاً في الواقع، أو لعله كان ينتظر ما تسفر عنه مقولات وتطبيقات هجمة الاقتصاد الرأسمالي العولمي النيوليبرالي في بداية الثمانينيات، الذي اكتسح العالم، وحل محل كل أنواع الاقتصادات السابقة.
وهذا الموضوع، في رأيي، هو الذي سيكون أجندة التغيير المقبل في الأيديولوجيا القومية العروبية، بعدما تبين للجميع مقدار وعمق الكوارث الإنسانية التي أنتجها النظام الاقتصادي الرأسمالي العولمي الجديد. وسيتلخص الموضوع في طرح السؤال التالي:
هل حان الوقت للحديث عن نظام اقتصادي جديد غير رأسمالي، سواء كان عولميا نيوليبراليا، أم كلاسيكيا قديما، ليكون مكوناً رئيسياً من مكونات الأيديولوجيا القومية العروبية الذي حاول المشروع النهضوي العربي رسم كل مكوناتها؟
في اعتقادي أن المراجعات الجادة على مستوى العالم، للنظام الرأسمالي من جهة، وللنظام الاشتراكي الماركسي من جهة أخرى، وبروز النظام الاقتصادي الصيني المزاوج بين بعض مكونات النظامين كتجربة تثير الانتباه، وتحتاج لدراستها بتمعن، وطرح بعض دول العالم الثالث لأنظمة اقتصادية لا تخضع في تفاصيلها لأي نظام اقتصادي…
في اعتقادي أن كل ذلك يستوجب أن نفكر، نحن العرب، في تبني نظام اقتصادي، يأخذ واقعنا وتاريخ محاولاتنا السابقة، ودروس المجتمعات الأخرى بعين الاعتبار، ويبتعد عن الترقيعات والمخاوف غير المبررة، وذلك من أجل التأكيد والإثبات، خصوصاً لأجيال الشباب والشابات، بأن الأيديولوجيا القومية العروبية تتمتع بالحيوية والمرونة والانفتاح والندية الحضارية.
وسنعود للملامح الأساسية لذلك في مقال مقبل.إذا كنا نريد للطاقات الثورية الشبابية العربية أن تنتظم في مشروع استراتيجي سياسي كبير مستقبلاً فعلينا أن نعض بأسناننا على موضوع الأيديولوجية في الحياة العربية.

* د. علي محمد فخرو كاتب بحريني
المصدر| الشروق – القاهرة

موضوعات تهمك:

حملة مشبوهة على الأيديولوجية القومية

قد يعجبك ايضا