تركيا وصراع القطبين

في الصراع بين الغرب وروسيا، تركيا بلد محوري ومؤثر في موازين القوى بينهما كما تشكل بالنسبة لروسيا قوة مهمة بحوض البحر الأسود وأوكرانيا.

تمثل تركيا عنصراً مهمّاً للغرب كونها بلداً أطلسياً تشارك بمناورات البحر الأسود وتنحاز نسبياً لأوكرانيا وتبيعها طائرات مسيّرة تثير استياء روسيا.

تركيا لها علاقات وروابط ثقافية مع جمهوريات آسيا الوسطى وأخرى عسكرية في القوقاز يمكن للغرب أن يستفيد منها في مساعي الضغط على روسيا.

انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي أعاد روسيا لحدودها «الأصلية» فخسرت شرق أوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.

* * *

بقلم: محمد نور الدين

للمرة الأولى يحذر مسؤولون أمريكيون من أن الصراع على أوكرانيا قد يتسبب بمخاطر صدام فعلي بين القوتين الأكبر في العالم الولايات المتحدة وروسيا.
ولا شك أن نتائج انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي قد أعاد روسيا إلى ما يشبه حدودها «الأصلية». فخسرت كل شرق أوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
وقد استفاد الغرب من فرصة وجود قيادة ضعيفة ولا مبالية في روسيا تمثلت بالرئيس بوريس يلتسين ليتقدم داخل الحدائق الخلفية السابقة لروسيا. لكن هذا الغرب لم يكتف بأن وضع معظم دول أوروبا الشرقية والعديد من دول القوقاز وآسيا الوسطى تحت جناحه من خلال ضم العديد منها إلى الاتحاد الأوروبي، بل اقتحم السور الأمني لروسيا بإدخال هذه الدول في حلف شمال الأطلسي من بولونيا ورومانيا إلى بلغاريا وغيرها.
وحاول الغرب أن يتقدم أكثر ليحاذي تقريباً الحدود الروسية من خلال السعي لضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. ونجحت روسيا إلى حد ما في تخفيف الخطر الغربي الجديد عبر ضم شبه جزيرة القرم واعتبارها جزءاً من الاتحاد الروسي. ومن ثم تحريك المناطق ذات الغالبية الروسية في شرق أوكرانيا ودعمها بما أفضى إلى تقسيم فعلي للبلاد.
لكن تعاظم النفوذ الروسي في عهد فلاديمير بوتين في السنوات الأخيرة دفع الولايات المتحدة تحديداً لمزيد من الضغوط على روسيا واستنزافها؛ بل تهديد أمنها القومي من خلال محاولة ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي.
ولما كانت مثل هذه الخطوة متعذرة الآن فإن واشنطن مارست أقصى الضغوط العسكرية على روسيا عبر الدفع بأوكرانيا لتكون بؤرة المناورات الواسعة التي جرت قبل أسابيع في حوض البحر الأسود.
وهو أمر أثار أيضاً انزعاج روسيا الكبير نظراً لأن فيه انتهاكات لاتفاقية مونترو حول المضائق وعسكرة البحر الأسود الذي يعتبر رئة روسيا إلى العالم والمياه الدافئة.
وجاءت أحداث كازاخستان لتؤكد الصرامة الروسية في التعامل مع تهديدات حلف الأطلسي في أوكرانيا والبحر الأسود. إذ كان التدخل الروسي العسكري في كازاخستان رسالة واضحة وقوية من موسكو أنها لن تسمح بتطويقها ومحاولة خنقها لا في آسيا الوسطى ومنها كازاخستان ولا في أوكرانيا.
ورفضت روسيا كل محاولات تخفيف التحشيد العسكري على حدود أوكرانيا قبل أن تتلقى من الغرب ضمانات من أنه لن يسعى إلى ضم أوكرانيا إلى الحلف.
لأن البديل عن ذلك سيكون غزواً عسكرياً روسيّاً لأوكرانيا وتكرار التجارب السابقة في جورجيا وإستونيا وشبه جزيرة القرم وكازاخستان. وعلى ما يبدو فإن روسيا مصممة على منع انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي لأنها تعتبرها قضية حياة أو موت.
وفي خضم الصراع بين الغرب وروسيا، تظهر تركيا على أنها بلد محوري ومؤثر في ترجيح موازين القوى بين الغرب والشرق. إذ تشكل تركيا بالنسبة لروسيا تحديداً قوة مهمة في حوض البحر الأسود، وبالتالي في أوكرانيا.
كما تشكل تركيا عنصراً مهمّاً للغرب كونها بلداً أطلسياً تشارك في مناورات البحر الأسود وتنحاز نسبياً إلى أوكرانيا وتبيعها طائرات مسيّرة تثير استياء روسيا. كما لتركيا علاقات وروابط ثقافية مع جمهوريات آسيا الوسطى وأخرى عسكرية في القوقاز يمكن للغرب أن يستفيد منها في مساعي الضغط على روسيا.
وفي إطار الجهود الغربية لتحسين العلاقات مع روسيا برزت المعارضة الأمريكية المفاجئة من مد خط أنابيب تحت البحر لنقل غاز شرق المتوسط من قبرص فاليونان فأوروبا. وهو المشروع الذي عارضته تركيا منذ البداية لأنه يهمّش الدور التركي في الصراع على الغاز والنفط في شرق المتوسط.
وهذا القرار الأمريكي أثار لا شك ارتياح تركيا لأنه يعيد دول منتدى غاز شرق المتوسط إلى التفكير مجدداً ببيع الغاز المتوسطي إلى أوروبا عبر خطوط النقل التركية وهي الأكثر جدوى والأقل كلفة. كذلك غضت تركيا النظر عن مشروع التنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية القبرصية الجنوبية التي ستقوم بها شركات أمريكية وقطرية على ألا تنتهك حدود المنطقة الاقتصادية التركية.
مع ذلك تجد تركيا نفسها غير قادرة على الانحياز التام لأحد طرفي الصراع. إذ لها علاقات مصالح واسعة مع روسيا على الصعيد الثنائي اقتصادياً وعسكرياً وفي سوريا وفي القوقاز.
ولا يعتقد أن الغزل الأمريكي سيغير من التموضع الوسطي لتركيا في صراع القطبين. كما لن يغير جذرياً موقف جو بايدن من سعيه للإطاحة بالرئيس أردوغان في انتخابات الرئاسة التركية منتصف العام المقبل.

* محمد نور الدين كاتب وباحث في الشؤون التركية
المصدر| الخليج

موضوعات تهمك:

تركيا و”إسرائيل”: هل يكتمل مسار تطوير العلاقات؟

قد يعجبك ايضا