النضال الفلسطيني… هل ينكسر أم ينتصر؟

نضالات الشعوب، أعمال تراكمية ونتائجها تُقاس بالمشهد الكلي وليس بالتجزئة وتحرير فلسطين مشروع عملاق يحتاج عقودا طويلة من النضال.

السنوات القليلة الماضية «سنوات عجاف» تمر بها قضية فلسطين وربما تكون هذه السنوات هي «شهر العسل» الذي يعيشه الاحتلال في بلادنا فعلا.

لا نستطيع الحكم على الصراع ومسار الأحداث بأكمله انطلاقاً من هذه السنوات العجاف أو من الاستسلام العربي للاحتلال بتوقيع الأنظمة العربية اتفاقات تطبيع مع الاحتلال.

* * *

بقلم: محمد عايش

ينشغل بعض الناشطين والمراقبين في تتبع إنجازات العمل النضالي الفلسطيني، أو دراسة نتائج الحروب الإسرائيلية على غزة، أو قراءة أحداث بعينها في المسار الفلسطيني، ومن ثم تكون النتيجة المباشرة والسطحية هي، أن الاحتلال هو الذي يحقق الانتصارات والإنجازات وهو الذي يتقدم في هذا الصراع الطويل، والحقيقة أن هذه طريقة خاطئة في الحساب والقراءة والتحليل لما يجري في فلسطين، ولا يُمكن أن تكون ذات نتائج دقيقة.

في الصراعات الكبرى ليس صحيحاً تجزيء قراءة مسار الأحداث ولا تجزئتها، أي لا يجوز للدارس أن يتعامل مع الأحداث بمعزل عن محيطها، أو يتعاطى معها «بالقطعة» لأن النتائج في هذه الحالة لا يُمكن أن تكون صحيحة.

وتنسحب هذه القاعدة بشكل خاص على نضالات الشعوب، التي هي أعمال نضالية متوارثة ومستمرة، وتهدف لتحقيق تغيير كبير وجذري، وهذا التغيير لا يُمكن أن يحدث بقرار ولا بفترة زمنية قصيرة، أي أنَّ العمل النضالي تراكمي، ولا يمكن تجزئته، كما أن الفرد فيه يُشكل جزءاً يكاد لا يُذكر.

بعد موجة التطبيع الأخيرة مع الاحتلال من قبل الدول العربية، وحالة الارتماء غير المسبوقة في الحضن الصهيوني، أخذت موجة من الإحباط تُهيمن على الشارع العربي والفلسطيني، وعاد الناس لطرح الكثير من الأسئلة عما حققه الفلسطينيون في 70 عاماً من النضال والمواجهة مع الاحتلال، بينما تتوسع دولة الاحتلال إما عسكرياً واستيطانياً، وإما سياسياً واقتصادياً عبر التطبيع والهيمنة على المنطقة.

واقع الحال أن الفلسطينيين خاضوا العديد من الحروب والمواجهات مع الاحتلال، بعضها كان شعبياً مثل الانتفاضة، وبعضها كان عسكرياً مباشراً مثل معركة «سيف القدس» وهي الحرب الأخيرة في شهر أيار/ مايو 2021.

وفي هذه المواجهة الأخيرة– مثلا– تكبد الاسرائيليون خسائر كبيرة على عدة مستويات من بينها، خسائر اقتصادية مباشرة تفوق الـ500 مليون دولار أمريكي، ومع ذلك كله فبيتُ القصيد ليس هنا، لأن مثل هذه الصراعات لا تُقاس نتائجها بهذه الخسائر الرقمية.
نضالات الشعوب هي أعمال تراكمية ونتائجها تُقاس بالمشهد الكلي وليس على التجزئة، وهذا يعني أن تحرير فلسطين من الاحتلال هو مشروع عملاق يحتاج إلى عقود طويلة من النضال وتضحيات تتوزع على امتداد أجيال وليس سنوات فقط.

وعند تحليل المشهد الفلسطيني وفقاً لهذه القاعدة وضمن هذه المعطيات نجد أن النضال الفلسطيني والعربي حقق الكثير من الإنجازات ويكفي أنه ما يزال مستمراً، أي أنه يواصل تحقيق هذه الإنجازات، وبين الحين والآخر فمن الطبيعي أن يشهد الصراع حالات من المد والجزر، أو موجات من الإحباط والأفول، لكنها لا تكون نهاية المطاف ما دام الاحتلال مستمراً.

دعونا نتذكر أن الاحتلال الإسرائيلي انكفأ خلال السنوات الأخيرة بصورة غير متوقعة، ففي عام 1983 انسحب من بيروت تحت ضربات المقاومة هناك، بعد أن كانت أول عاصمة عربية يستبيحها في شهر أيلول/ سبتمبر 1982، وفي عام ألفين انسحب الاحتلال من جنوب لبنان، للسبب ذاته وأصبح اللبنانيون أحراراً في بلادهم، وفي عام 2005 انسحب الإسرائيليون بقرار منفرد ومن دون قيد ولا شرط ولا اتفاق من قطاع غزة.

وفي عام 2019 استعاد الأردن منطقتي الباقورة والغمر اللتين كانتا محتلتين من قبل إسرائيل، ومن ثم تم الاتفاق على اعتبارهما مناطق مؤجرة في عام 1994 بموجب اتفاق السلام، وانتهى المطاف بهذه المناطق الى رفع العلم الأردني عليها، وعودتها بالكامل للسيادة الأردنية.. وقبل ذلك كله بطبيعة الحال انسحب الاحتلال من سيناء واستعادت مصر أراضيها كنتيجة لحرب تشرين الأول/أكتوبر 1973.

ربما تكون السنوات القليلة الماضية هي «السنوات العجاف» التي تمر بها قضية فلسطين، وربما تكون هذه السنوات هي «شهر العسل» الذي يعيشه الاحتلال في بلادنا فعلا.

لكن المؤكد أننا لا نستطيع الحكم على الصراع بأكمله ومسار الأحداث بأكملها، انطلاقاً من هذه السنوات العجاف، أو من زاوية الاستسلام العربي المريع لهذا الاحتلال عبر توقيع اتفاقات التطبيع المتوالية من قبل الأنظمة العربية مع الاسرائيليين.

اختصار المشهد الفلسطيني في أحداث بعينها ليس صحيحاً، ولا يمكن أن يؤدي إلى نتائج صحيحة، لأن النضال الشعبي عمل تراكمي، ونتائج هذا العمل التراكمي لا تظهر في يوم وليلة، ولا بعد حدث بعينه أو حرب محددة بعينها، وأهم ما في هذا النضال أنه مستمر بسبب استمرار الاحتلال.. في فلسطين ثمة شعب أصيل مصمم على التمسك بحقه في التحرر من الاحتلال.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني
المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

عندما يغيب الإحساس بالخجل والندم

قد يعجبك ايضا