المفارقات القاتلة والنزيف الأميركي الإقليمي

مخاوف أميركا من فقدان السيطرة على المشهد الإقليمي لم تعد وهمًا بل حقيقة يعكسها النشاط الكثيف للدبلوماسية الأميريكية.

نشاطٌ أميركي مدفوع بمخاوف قوية من فقدان السيطرة على الملفات المتفجرة والعالقة كملفات: اليمن وإيران والسودان وليبيا وإثيوبيا.

نجاح أميركا وشركائها في استعادة السيطرة على أسواق النفط، ولو مؤقتا، لا يعني بالضرورة القدرة على السيطرة على سائر الملفات الإقليمية.

تحولت الملفات الإقليمية لساحة منافسة بين الرياض وأبوظبي والقاهرة، ويزيدها إرباكًا نشاط إسرائيلي متناقض والمحموم بين المحاور المتنافسة.

تخوض أميركا العديد من المعارك على مختلف الجبهات لاستعادة زمام السيطرة، لكنْ هذه المرة مع حلفائها وشركائها لا مع خصومها! وهذه مفارقة قاتلة.

* * *

بقلم: حازم عياد

لم تنجح مناشدات ودعوات الرئيس الامريكي جو بايدن لدول (اوبك+، روسيا) لرفع معدلات الإنتاج؛ ما دفع الرئيس الامريكي لتوجيه خطابه مباشرة الى العربية السعودية وروسيا، داعيًا البلدين إلى رفع معدلات الإنتاج، وخفض الأسعار.

فشل المناشدات الاميركية دفع بايدن للجوء الى لغة أكثر خشونة، وإجراءات أكثر صرامة؛ بدعوة الدول التي تملك مخزونات كبيرة من النفط إلى طرح مخزونها في الأسواق العالمية؛ ما أدى الى تراجع في أسعار النفط، وتلاشي المخاوف من تجاوزها التسعين دولارًا للبرميل في رحلتها نحو المائة.

اختراقات روسية: “أوبك +” و”أس400″

الجهود الأميركية ثَبَّتت أسعار النفط إلى ما دون 85 دولارًا، ليبلغ برميل خام برنت مساء اليوم الخميس 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 80 دولارًا.

تراجعٌ ناجم عن جملة من المتغيرات التي لم تقتصر على خطوات بايدن الحازمة، بل استندت ايضًا الى الإعلان عن ارتفاع صادرات النفط السعودية لتتجاوز ستة ملايين برميل في سبتمبر/ أيلول الماضي، والمترافقة مع مخاوف قوية من تراجع الطلب العالمي، وموجة جديدة من وباء “كورونا”.

في المجمل، نجحت الولايات المتحدة في كبح جماح أسعار النفط التي هددت بإبطاء النمو العالمي كنتاج للنقص المفتعل للمعروض من خامات النفط، والمتزامن مع جهود مضنية تبذلها الاقتصاديات النامية والمتقدمة للخروج من التداعيات الاقتصادية السلبية لجائحة “كورونا”.

لكنَّ استعادة الولايات المتحدة زمام المبادرة، ومزاحمتها موسكو في اتفاق (أوبك+) مسألة ما زالت محل جدل وشك؛ فالمخاوف الامريكية لا تقتصر على فقدان السيطرة على أسواق الطاقة، ونزوع الحلفاء الإقليميين إلى خفض الإنتاج بالشراكة مع روسيا؛ ذلك أن المخاوف الامريكية شقت طريقها على شكل ضغوط أمريكية على الرياض للتراجع عن صفقة شراء منظومة “أس400” الروسية للدفاع الجوي.

إيران وتركيا: نزيف إقليمي

مخاوف أميركية أسهمت في اتساع الخطى لعقد الاجتماع الثاني لمجموعة العمل الخليجية-الأمريكية الخاصة بإيران، اليوم الخميس 18 نوفمبر/ تشرين الثاني؛ لتنسيق الجهود المبذولة لاحتواء إيران، ووقف النزيف المقلق في النفوذ الأمريكي، خصوصًا أن الإمارات العربية تبدي انفتاحًا كبيرًا على إيران بتشغيلها معبر (الشارقة-مرسين)، وهو ما يشكل قفزة تفوق ما تم تحقيقه حتى اللحظة في العلاقة مع إيران وتركيا؛ إذ إنها تهدد بتفكك التحالفات الإقليمية، وتصارع وتنافس الدول الحليفة والشريكة للولايات المتحدة.

المخاوف الأميركية من فقدان السيطرة على المشهد الإقليمي لم تعد وهمًا، بل حقيقة يعكسها النشاط الكثيف للدبلوماسية الأميريكية؛ إذ شهدت المنطقة جولات مكوكية.

قام بها جيك سوليفان مستشار الأمن القومي، ومن بعده ديفيد ميلر مسؤول الملف الايراني، الى جانب حراك قام به الممثل الخاص لشؤون القرن الإفريقي والممثل الخاص لملف اليمن والملف السوري، وبريت ماكغورك المبعوث الرئاسي إلى العراق، فضلاً عن زيارات سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة ليندا غرينفيلد للأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فالأسبوع كان حافلًا.

نشاطٌ أميركي مدفوع بمخاوف قوية من فقدان السيطرة على الملفات المتفجرة والعالقة كالملف: اليمني والايراني والسوداني، الى جانب الليبي والإثيوبي.
ختامًا..

نجاح أميركا وشركائها في استعادة السيطرة على أسواق النفط -وإنْ كان بشكل مؤقت- لا يعني بالضرورة القدرة على السيطرة على سائر الملفات الإقليمية كالملف السوداني واليمني والسوري والإيراني.
فهي ملفات تحولت لساحة منافسة بين الرياض وأبوظبي والقاهرة، ويزيدها إرباكًا النشاط الإسرائيلي المتناقض والمحموم بين المحاور المتنافسة.

فأميركا تخوض العديد من المعارك على مختلف الجبهات لاستعادة زمام السيطرة، لكنْ هذه المرة مع حلفائها وشركائها لا مع خصومها! وهذه مفارقة قاتلة.

* حازم عياد كاتب صحفي أردني

المصدر| السبيل الأردنية

موضوعات تهمك:

الخطاب السياسي الأميركي يتدهور.. من المنافسة إلى التهديد بالقتل

قد يعجبك ايضا