المغرب: من هزيمة الإسلاميين إلى حكومة الأعيان

الأحزاب ذات الرصيد الشعبي تفقد كثيرا من شعبيتها لما تقود الحكومة لأنها لا تستطيع مباشرة الإصلاحات التي تَعِد بها أثناء الحملات الانتخابية.

تواجه الحكومة الجديدة أزمتها الأولى مع الشارع إذ خرجت مظاهرات صاخبة تندد بإجبارية جواز التلقيح وبانعدام فرص الشغل وتدهور ظروف العيش.

عدم شعبية زعيم التجمع قد تؤثر سلبا على مشروعية النظام التي انتعشت خلال السنوات التالية للربيع العربي بفضل إدماجه لحزب ذي رصيد شعبي معتبر.

الحكومة بالمغرب لا تملك السلطة الحقيقية، كما أنها تفقد الوهج المعنوي للمعارضة و”الدفاع عن الحق” والوقوف إلى جانب المجتمع المدني في معاركه القطاعية.

عزير أخنوش كانت له قوة سياسية نافذة قبل رئاسته للحكومة، فهل سيستطيع، وقد أصبح وجها لوجه مع الرأي العام، الحفاظ عليها أم أن وصوله للقمة يؤذن بعودة الشارع للحراك؟

* * *

بقلم: المعطي منجب

منذ بداية القرن، تعتبر هذه أول حكومة مغربية يواجهها الشارع خلال أسابيعها الأولى. قد يرجع هذا لضعف مشروعية الحكومة ولظروف تعيينها.

كما أصبح الأعيان “اللاسياسيون” يسيطرون على البرلمان الجديد، وهناك تخوفات من تعزيز منظومة الاقتصاد الريعي وتدهور أكبر لظروف الفئات الهشة، فهل يعني ذلك موت السياسة بالمغرب أم عودة الشارع للحراك؟
لقد كانت نتائج الانتخابات الثلاثية (تشريعية، جهوية، جماعية) مخيبة لآمال القوى التاريخية المعارضة للنظام والتي تتجسد في اليسار المستقل والإسلاميين.

فقد فاز فيها حزبان ملكيان، الأول هو التجمع الوطني للأحرار (102 مقعدا بمجلس النواب) والذي أسسه النظام نهاية السبعينيات ووضع على رأسه أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، وكان يتقلد منصب الوزير الأول آنذاك. أما الحزب الذي وصل ثانيا فهو الأصالة والمعاصرة (86 مقعدا)، والذي لا بد من الإشارة إلى أن النظام أخرجه للوجود نهاية العام 2008 ليفوز بالانتخابات البلدية بعد أشهر من ذلك.

أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي قاد الحكومة منذ الربيع المغربي لسنة 2011 فقد عرف انهيارا تاما إذ فقَد ما يقرب من تسعين بالمئة من مقاعده بمجلس النواب، متقهقرا من 125 مقعد إلى 13 فقط.

يتميز هذا الاقتراع الذي جرى في 8 أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي عينت على إثره حكومة يقودها زعيم التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش ببعض الميزات: منها، أن تركيبة البرلمان السوسيولوجية يسيطر عليها الأعيان “اللاسياسيون” وأغلبهم ينتمون للفئات العليا أو الوسطى.

وهذا يحدث بهذه الدرجة لأول مرة منذ أربعة عقود، حتى أن بعض الملاحظين تحدث عن موت السياسة بالمغرب. لأنه حتى المجالس النيابية خلال الفترة التي تمتد من نهاية السبعينيات إلى بداية التسعينيات كانت تشمل مجموعة نشطة من اليساريين والوطنيين، بينهم كفاءات سياسية وفكرية عالية أهلتهم ليصبحوا قطب الرحى بالبرلمان.

وإن لم يكن لهم تأثير يذكر على السياسات العمومية، نظرا لموقفهم المتحفظ أًو المنتقد لسلطوية الملك الحسن الثاني، وكذلك بسبب برنامجهم المستلهم من التجارب الديمقراطية الاجتماعية أو اليسارية.
الميزة الثانية هي أنه لا يوجد بمجلس النواب ولا بمجلس المستشارين أي مجموعة برلمانية محنكة، صهرتها المعارضة الطويلة للنظام كما في السابق ومعتمدة على حزب قوي له امتدادات قوية في الشارع وفي المجتمع المدني.

كذلك، كانت انتخابات أيلول/ سبتمبر الماضي الوحيدة منذ بداية الألفينيات التي لعب فيها المال والهدايا العينية العلنية دورا نشيطا جدا. كما أن “المخزن الصغير ” أي المقدمين والشيوخ، مثل فيها الذراع الضاربة للداخلية، إذ قام أعوان السلطة بالدعاية الانتخابية خصوصا لصالح حزب رئيس الحكومة الجديدة وحلفائه، وضد الحزب الإسلامي، وأحيانا ضد بعض اليساريين المنتقدين صراحة للقصر.

بل إن تنسيقية أعوان السلطة هؤلاء هنأوا أنفسهم علانية بنتائج الانتخابات، وهذا موقف نادر ومحرج لوزارة الداخلية فهم يمثلون قاعدتها وعيونها التي لا تنام. عبرت تنسيقيتهم في تدوينة نشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعية إلى دورهم الفعال في إسقاط الحزب الإسلامي.

أكدت التدوينة-البيان المغتبطة بنتائج الاقتراع بأن “وعد الحر دين عليه”، كما أنهم تمنوا التوفيق للحكومة الجديدة مسبقا، معبرين عن آمالهم في ترقيتهم الإدارية بفضل وفائهم بالتزاماتهم.

أكدوا، كذلك، في مطلع بيانهم أن مصير المنهزمين هو “مزبلة التاريخ” وأن الأعوان وعدوا منذ ثمانية أشهر بأن الحكومة فاشلة لا محالة – ضمنيا في الانتخابات– كما طالبوا الحكومة الجديدة بالاهتمام بتحسين ظروفهم الاجتماعية.

كتب أحد المعلقين منبها إياهم بأنهم يجب أن يكونوا محايدين، فردت التنسيقية “نحن لسنا محايدين، إذ قالوا لنا أن نصوت للأحرار”.

كذلك، لأول مرة خلال العقدين الأخيرين يظهر أن التلاعب القَبلي والبَعدي بنتائج الانتخابات ومحتواها السياسي كان واضحا. فقد كان نحو ثلثي المسجلين في اللوائح الانتخابية من سكان القرى والبوادي، بينما لا تتجاوز نسبة الساكنة القروية من الفئة العمرية المؤهلة للتصويت 33.9 في المئة حسب المندوبية السامية للتخطيط وهي هيئة رسمية.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا نزلت إدارة الداخلية بكل وزنها لتسجيل سكان البادية؟ إذ إن نسبة المسجلين منهم في اللوائح الانتخابية تمثل 94 في المئة من المؤهلين عمريا للتصويت بينما لا تتجاوز هذه النسبة 56 في المئة من الساكنة الحضرية بنفس المواصفات العمرية.

قامت الإدارة بمجهود خاص، ترغيبا وضغطا، لأن القرويين أكثر خضوعا للسلطة وتشبثا بالشرعية وأقل تسيسا وأكثر محافظة، كما أنهم يثقون أكثر في الأعيان المحليين، ويعتبرونهم ممثليهم الأفضل لدى أصحاب القرار بالرباط. أما سكان الحضر، فقد صوتت فئة كبيرة منهم في السابق لصالح الأحزاب المعارضة يسارية كانت أو إسلامية وذلك حسب الفترات.

كذلك لأول مرة منذ بداية هذا القرن لم تُسلّم محاضر مكاتب التصويت لممثلي الأحزاب، وخصوصا بالمدن الكبرى وبالضبط لممثلي حزب العدالة والتنمية. هذا خرق واضح للقانون ودليل على أن النتائج قد تكون عُدلت.
ولنذكر هنا بأن العدالة والتنمية كان قد أعلن النتائج والمقاعد التي حصل عليها في الانتخابات التشريعية لعام 2016 قبل الداخلية وهي نفس النتائج التي ستؤكدها هذه الأخيرة. كان ذلك إيذانا بنهاية المسار السياسي لوزير الداخلية، إذ عين وزيرا للتعليم بالحكومة التالية ليسرح بعد أشهر من تعيينه بدعوى عدم الكفاءة.

ولنعد للتقهقر الكبير الذي عرفه العدالة والتنمية في انتخابات 8 أيلول/سبتمبر 2021، فالملاحظون لا يفسرونه فقط بتعديل النتائج البعدي المحتمل، ولا بضغوط الداخلية التي منعت العديد من ممثلي الحزب من الترشح، إذ إن عدد مرشحيه للانتخابات البلدية سنة 2021 لا يتجاوز 53 بالمئة من عدد مرشحيه لسنة 2015.

هناك أسباب أخرى يمكن أن نذكر بعضها بشكل مركز. الأحزاب ذات الرصيد الشعبي بالمغرب تفقد بشكل أكيد جزءا كبيرا من شعبيتها لما تقود الحكومة، لأنها لا تستطيع مباشرة الإصلاحات التي تَعِد بها أثناء الحملات الانتخابية لأن الحكومة بالمغرب لا تملك السلطة الحقيقية، كما أنها تفقد الوهج المعنوي للمعارضة و”الدفاع عن الحق” والوقوف إلى جانب المجتمع المدني في معاركه القطاعية.

هناك سبب آخر وهو تفريط حزب العدالة والتنمية في هويته كحزب إسلامي- عروبي، فأمينه العام هو من وقع اتفاق 10 كانون الأول/ديسمبر 2020 مع إسرائيل، كما قبل بالرجوع القوي للغة الفرنسية بالتعليم، وبتقنين القنب الهندي، وهي كلها أمور كان يعارضها بقوة إلى حين قبول حكومته بها، أي أنه لم يتمكن حتى من تهيئة الرأي العام لها بشكل كاف.

يجب أن نتذكر هنا أن بعض المحللين السياسيين وصفوا النظام الانتخابي الجديد، شهورا قبل إجراء اقتراع 8 أيلول/سبتمبر، بالمسيس وبأنه يهدف إلى تقليص تمثيلية الأحزاب الشعبية في إطار ” سلطوية انتخابية”.
الآن وقد مرت أسابيع على الانتخابات وتعيين الحكومة الجديدة، يمكن أن نقول إن رهان القصر على عزيز أخنوش”رجل الأعمال الناجح” لطي صفحة الإسلاميين، ولإضفاء صورة الفعالية على الحكومة، قد لا يذهب بعيدا.

فوسائل التواصل الاجتماعي قد اهتزت عند تعيينه مهاجمةً رجل الأعمال الذي يمثل في تصورها اقتصاد الريع والزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة. والجملة الأخيرة تمثل أحد الشعارات الأساسية للربيع العربي بالمغرب.

كما أن لجنة برلمانية كانت قد أقرت سنة 2018 أن التفاهمات غير القانونية حول ثمن البيع بين شركات المحروقات، وعلى رأسها شركة إفريقيا لمالكها الرئيس أخنوش، جعلت أرباحها غير المشروعة تصل إلى 17 مليار درهم (نحو ملياري دولار أمريكي).

في نفس السنة وقعت حملة مقاطعة شعبية قوية لمنتوجات شركة أخنوش للمحروقات، وعلامتين تجاريتين أخريين احتجاجا على اقتصاد الريع وغلاء الأسعار.

كذلك فإن أخنوش بوصفه وزيرا للفلاحة في الحكومة السابقة قد سمح للمزارعين باستعمال واسع لغاز البوتان– المدعم بالمال العام– للسقي، بينما هو رسميا موجه للاستعمال المنزلي، طبخا وتسخينا، وذلك للحفاظ على الثروة الغابية، ودعم القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود.

يؤكد منتقدو رئيس الحكومة بمن فيهم حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة بأن الأرباح غير المشروعة، والسخاء في استخدام المال العام في دعم الغاز يمثل تناقضَ مصالح خطير لأن قابضة أخنوش تسيطر على سوق المحروقات بما فيها الغاز وتستفيد إذن بغزارة من الدعم العمومي.

أما مجلس المنافسة، وهو هيئة دستورية مستقلة، الذي أوصى في تقرير رسمي بإرجاع هاته الأموال بطريقة غير مباشرة إلى الخزينة العامة فقد أعفي رئيسه من منصبه، بعد أن أهين وشَهّر به بالإعلام المقرب من السلطة.

كل هاته القضايا تظهر أن عزير أخنوش كانت له قوة سياسية نافذة قبل رئاسته للحكومة، فهل سيستطيع، وقد أصبح وجها لوجه مع الرأي العام، الحفاظ عليها أم أن وصوله إلى القمة يؤذن بعودة الشارع للحراك؟ لأن عدم شعبية زعيم التجمع قد تؤثر سلبا على مشروعية النظام، التي انتعشت خلال السنوات التالية للربيع العربي، بفضل إدماجه لحزب ذي رصيد شعبي معتبر.

* المعطي منجب باحث سياسي وناشط حقوقي ومؤرّخ مغربي.

المصدر| معهد كارنيجي للسلام

موضوعات تهمك:

التجربة المغربية: الدرس الخاطئ

قد يعجبك ايضا