“الكرت الأحمر” بدل “الراية البيضاء”

هل المسألة تقتصر على خشية الحشديين من خسارة نصيب الأسد في كعكة السلطة وامتيازاتها ومزاياها؟

تحذير الخاسرين من الفوضى والخراب يستبطن تهديدًا فجًا ضاربين عرض الحائط بالوظيفة الأساسية للانتخابات: فرز الأغلبية عن الأقلية.

تحت عناوين من نوع: “الشراكة” و”الوحدة”، يريد الخاسرون في انتخابات العراق تمرير أجندة الانقضاض على نتائج الانتخابات ومصادرة إرادة الناخبين.

لماذا يخشى “الحشديون” حكومة أغلبية وطنية؟ ولماذا تُلقي إيران بثقلها المتناقص بعد اغتيال سليماني وخسارة حلفائها الانتخابات الأخيرة، لتدارك ما يمكن إدراكه؟

الخاسرون في انتخابات أكتوبر البرلمانية العراقية لا يتوقفون عن محاولة قلب النتائج والانقلاب عليها ويتصرفون كما لو أن شيئاً لم يحصل، يريدون البقاء بالسلطة رغم خسارتهم التفويض الشعبي.

* * *

الخاسرون في انتخابات أكتوبر البرلمانية العراقية، لا يتوقفون عن محاولة قلب النتائج والانقلاب عليها، إنهم يتصرفون كما لو أن شيئاً لم يحصل، يريدون البقاء في السلطة برغم خسارتهم التفويض الشعبي لفعل ذلك..
طعنوا بنتائج الانتخابات، واتهموا الحكومة والمفوضية بممارسة التزوير، تظاهروا واعتصموا وسدوا الطرق والساحات، لجأوا إلى المحكمة الاتحادية دون جدوى، مارسوا أشد الضغوط على الطرف الفائز للتنازل عن فوزه، استدعوا إيران ولبّى إسماعيل قاآني دعوتهم مرات عدة للاستقواء على مقتدى الصدر.. كل ذلك لم ينفع، أو أقله لم ينفع حتى الآن.
تحت عناوين نظيفة من نوع: “الشراكة” و”الوحدة”، يريدون تمرير أجندة مثل الانقضاض على نتائج الانتخابات، ومصادرة إرادة الناخبين..
إنهم يُحذِّرون من أن الإصرار على تشكيل حكومة أغلبية وطنية، هو وصفة للفوضى والخراب، وهو تحذير يستبطن تهديداً فجاً، ضاربين عرض الحائط بالوظيفة الأساسية للانتخابات: فرز الأغلبية عن الأقلية.
لا يدخرون وسعاً ولا يستثنون وسيلة، شرعية كانت أم غير شرعية، دون اللجوء إليها لتعطيل مفاعيل هزيمتهم؛ آخر الأمثلة على ما يفعلون، موجة هجمات غامضة على مقار وقيادات الأحزاب المرشحة للانضمام لحكومة الأغلبية الوطنية، بمن فيهم رئيس البرلمان المُعاد انتخابه، محمد الحلبوسي، وقادة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحالف “تقدم”.
رسائل بالرصاص والنار، تودع في صناديق بريد المنافسين، لترهيبهم وإرغامهم على التخلي عن ثمار فوزهم الانتخابي، تقتصر حتى الآن على حلفاء التيار الصدري دون المساس به، وليس مستبعداً أن تتوسع في لحظة يأس وغضب، لتطاول التيار المتصدر لنتائج الانتخابات، حتى أن مراقبين كثرا، باتوا يخشون على حياة مقتدى الصدر نفسه، بعد أن فشلت محاولات إرغامه لإدراج “إطار التنسيق” بقضّه وقضيضه في “حكومة شراكة وطنية”، و”كأنك يا أبو زيد ما غزيت”.
لماذا يخشى “الحشديون” حكومة الأغلبية الوطنية؟ ولماذا تُلقي إيران بثقلها المتناقص بعد اغتيال قاسم سليماني وخسارة حلفائها الأقربين للانتخابات الأخيرة، لتدارك ما يمكن إدراكه؟ وهل المسألة تقتصر على الخشية من خسارة نصيب الأسد في كعكة السلطة وامتيازاتها ومزاياها؟
يبدو أن خشية طهران وحلفاءها الأقربين تتخطى هذه الحدود، ويبدو أن نتائج الانتخابات فتحت أفقاً محملاً باحتمالات إعادة تموضع العراق على خرائط الإقليم والمجتمع، إن لم يكن على شكل استدارة كاملة، فبالابتعاد بـ”مسافة أمان” واضحة عن إيران.
يبدو أن من بين هذه الاحتمالات، إعادة النظر في موقع ومكانة الحشد الشعبي ذاته، ودائماً تحت شعارات: ”لا شرقية ولا غربية، ولا سلاح خارج الشرعية“، وهي الشعارات التي رفعها التيار الصدري، وحملته إلى سدة الأغلبية النيابية.
وقد تكون الانتخابات العراقية وما بعدها، قد وفّرت لإيران فرصة لاختبار حجم الخسارة التي مُنيت بها باستهداف رجلها الأول في الإقليم: قاسم سليماني، فخليفته، إسماعيل قاآني، يعجز عن ملء فراغه.
ثم إن التطورات في العراق بعد انتفاضة تشرين 2019، وما يشهده الإقليم من حالة “سيولة” بين عواصمه ومحاوره المتصارعة، تجعل مهمة الرجل أشد صعوبة، وربما لهذه الأسباب مجتمعة، تكابد إيران وحلفاؤها من أجل إبقاء القديم على قدمه، ولكن من دون تسجيل أي نجاح نوعي يذكر حتى الآن.
لا يعني ذلك أن المهزومين في الانتخابات الأخيرة سيرفعون الراية البيضاء، وأنهم سيسلمون بالأمر الواقع، هذا ليس دأبهم على أية حال، ما يبقي أبواب العراق مفتوحةً أمام مختلف الاحتمالات والسيناريوهات، بما فيها أكثرها سوءاً وخطورة: العودة لمربع الفوضى والاحتراب، ليس بين المكونات العراقية الكبرى الثلاث فحسب، ولكن داخل المكون الشيعي هذه المرة.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني/فلسطيني

موضوعات تهمك:

العراق: ما لم يتحقق بالانتخابات يُفرض بالصواريخ؟

قد يعجبك ايضا