الفيدرالي الأميركي يقلص مشتريات السندات ويرفع الفائدة

استبعد صناع السياسة النقدية للبلاد تغير سلوك المستهلكين بشكل كبير لأنّهم يعتادون التعايش مع هذا التضخم!

تدخل البلاد شتاء “كورونياً” جديداً يتميز عن سابقه بسرعة انتشار متحوري دلتا وأوميكرون بما يمثلانه من غموض وخطورة على المواطنين.

بات توجه مجلس الاحتياط الفيدرالي للإسراع بإنهاء برنامجه لشراء السندات الأميركية ورفع معدلات الفائدة على أمواله أقرب مما كان متوقعاً.

أظهرت أسواق الأسهم مؤخرا تقلبات أثارت قلق المستثمرين بسبب غياب رؤية واضحة فيما يخص توقيت وطبيعة الخطوة من البنك المركزي الأميركي.

ما زال المناخ الاقتصادي غير واضحٍ وينظر البعض إلى اللحظة الحالية باعتبارها محفوفة بالمخاطر بشكل خاص بالنسبة للاستثمار في أميركا.

مصدر القلق الرئيس أنّ يكون البنك الفيدرالي أوشك رفع دعمه الضخم للأسواق بينما يتباطأ ارتفاع التضخم وتتراجع مدخرات الأسر بوضوح وتزداد إصابات فيروس كورونا بمتحوراته.

* * *

بقلم: شريف عثمان

رغم أنّ بيان مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، في أعقاب آخر جولة من اجتماعاته هذا العام، والتي جرت على مدار يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، لم يأتِ بجديد، وإنما أكد ما اعتبره البعض من قبل مؤكداً، من توجهه نحو الإسراع في إنهاء برنامجه لشراء السندات الأميركية من السوق الثانوية، ومن ثم البدء في رفع معدلات الفائدة على أمواله أقرب مما كان متوقعاً.
وأظهرت أسواق الأسهم خلال تعاملات اليومين التاليين تقلبات أثارت قلق المستثمرين، بسبب غياب الرؤية الواضحة فيما يخص توقيت وطبيعة الخطوة من البنك الفيدرالي.
وأنهت مؤشرات الأسهم الرئيسية الثلاثة تعاملات يوم الجمعة على انخفاض، مسجلةً خسائر أسبوعية بلغت 3% لمؤشر ناسداك، الأكثر تأثراً بتغيرات معدل الفائدة، بينما اكتفى مؤشرا “داو جونز الصناعي” و”إس آند بي 500″ بالانخفاض بنسبة 1.7% و1.9% على التوالي، بعدما تراجعت المؤشرات الثلاثة في أربعةٍ من أيام أسبوع التداول الخمسة.
وبدا واضحاً في تفاصيل العمليات التي تمت أن تراجع قيم المؤشرات كان في أغلب حالاته نتيجة لتراجع أسعار أسهم شركات التكنولوجيا التي كانت الحصان الأسود في العام الماضي، وتجاوز تراجع أسعار أسهم بعض تلك الشركات خلال العام الحالي، الذي يمثل نقطة تحوّل كبيرة في تخطيط سياسات البنك الفيدرالي، نسبة تسعين بالمائة من قيمتها خلال الأسابيع الأولى من العام.
وقال جيروم باول، رئيس البنك الفيدرالي المحسوب على الحزب الجمهوري، والذي لم يحبه الرئيس السابق دونالد ترامب الجمهوري، وتمسّك به الرئيس جو بايدن الديمقراطي، إنه سينتهي من تقليص مشتريات البنك من السندات قبل نحو ثلاثة أشهر من منتصف العام القادم، كما سبق وأعلن، ممهداً المسرح لسلسلة من قرارات رفع الفائدة المتتالية، والتي لن تقل عن ثلاثة، لتبدأ مباشرة بعد ذلك، في إشارة إلى استعداده للإسراع في مواجهة التضخم الذي ارتفع أكثر مما توقع، واستمر أكثر مما ينبغي.
ورغم محاولات البنك الفيدرالي تحقيق ما يطلق عليه “الهبوط الآمن”، بعد شهور طويلة من دعم أسواق الأسهم والسندات بتريليونات الدولارات، من البنك والحكومة الفيدراليين، ما زال المناخ الاقتصادي غير واضحٍ، وينظر البعض إلى اللحظة الحالية باعتبارها محفوفة بالمخاطر بشكل خاص بالنسبة للاستثمار في أميركا.
ويتمثل مصدر القلق الرئيسي في أنّ البنك الفيدرالي قد يكون على وشك رفع دعمه الضخم للأسواق، في نفس الوقت الذي يتباطأ فيه ارتفاع معدل التضخم، وتتراجع فيه مدخرات الأسر بشكل واضح، وتزداد حالات الإصابة بفيروس كورونا بمتحوراته المختلفة.
ويسيطر هاجس الأيام الأولى لانتشار الوباء في الأراضي الأميركية العام الماضي على الأميركيين، إعلاميين وساسة ومواطنين، إذ تدخل البلاد شتاء “كورونياً” جديداً، يتميز عن سابقه بسرعة انتشار متحوري دلتا و”أوميكرون”، بما يمثلانه من غموض وخطورة على المواطنين، سواء منهم من تلقّى المصل ومن لم يتلقه.
ويوم الخميس الماضي، حذر بايدن الأميركيين من تزايد انتشار متحور أوميكرون خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أنّ الأيام القادمة “قد تشهد حالات إصابة حادة ووفيات لمن لم يتلقوا اللقاح”.
وأوضح البنك الفيدرالي أنّه يرى أنّ “متحور أوميكرون يشكل خطراً تضخمياً، نظراً لما يسببه من رغبة للعمال في عدم العودة إلى أعمالهم، الأمر الذي يكون له تأثيرات سلبية على سلاسل التوريد العالمية، ويؤدي إلى تفاقم ضغوطات بدأت للتو في إظهار علامات تراجع الانتعاش الاقتصادي”.
واستبعد صانعو السياسة النقدية للبلاد تغير سلوك المستهلكين بشكل كبير، لأنّهم “يعتادون التعايش مع هذا التضخم”، على حد تعبير باول في مؤتمره الصحفي يوم الأربعاء.
ورغم أن البلاد تشهد حالياً ما يقرب من مائة وعشرين ألف حالة إصابة بالفيروس يومياً، إلّا أنّ هناك رغبة واضحة من الإدارة الأميركية بعدم فرض إغلاق عام أو أوامر للبقاء في المنزل، بعد تجربة العام الماضي الثقيلة، التي سببت فقدان الملايين وظائفهم، وكبدت الحكومة تريليونات الدولارات لتعويضهم، إلّا أنّ العديد من المسارح ودور السينما أغلقت أبوابها، وعادت نسبة غير قليلة من الجامعات إلى امتحان الطلاب عبر الإنترنت في نهاية الدور الأول من العام الدراسي، ومُنع الآتون من عدة دول انتشر فيها المتحور الجديد من دخول البلاد.
وتمثل التطورات الأخيرة تهديداً كبيراً لقطاع الخدمات في البلاد وأكثر من 70% من القوى العاملة المستخدمة في وظائفه. ويزيد الأمر تعقيداً أنها تأتي في وقت استنزفت فيه أموال التحفيز الفيدرالي وانخفض الإنفاق الاستهلاكي، خصوصاً بين الأسر ذات الدخل المنخفض، بعدما كان المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في العقد الذي سبق ظهور الفيروس.
وتلقت 35 مليون أسرة أميركية الدفعة الأخيرة من إضافات ضريبة الأطفال الشهرية الأسبوع الماضي.
ومع وصول واشنطن إلى طريق مسدود بشأن مصير أجندة الإنفاق الاجتماعي الضخمة للرئيس بايدن، لم يعد ممكناً توقع استمرار تلك الإضافات خلال الشهور القادمة.
وعلى جانب آخر، سيتعين على 43 مليون أميركي استئناف سداد أقساط قروض الطلاب بمجرد انتهاء فترة السماح في آخر يناير المقبل، ويسبب هذان البندان وحدهما سحب ما يقرب من 25 مليار دولار من الاقتصاد الأميركي بصفة شهرية.
ولو أخذنا في الاعتبار أنّ الربع الأول من العام القادم، والذي يتوقع البنك الفيدرالي توقف التضخم عن الارتفاع خلاله، سيشهد أيضاً سحب ما يقرب من 120 مليار دولار كان البنك الفيدرالي يضخها لشراء السندات بصفة شهرية، وشعر بعض المحللين بالقلق من حدوث أزمة سيولة، أو في أحسن الأحوال تباطؤ معدلات استعادة الاقتصاد الأميركي لنشاط ما قبل ظهور الفيروس.
ويقول مارك زاندي، كبير الاقتصاديين بمؤسسة موديز للتقييم الائتماني: “لو وضعنا كل تلك المتغيرات بجوار بعضها البعض، في عالم تسيطر عليه الضبابية كعالمنا، يكون الأفضل أن نفعل أكثر مما ينبغي، لا أقل مما ينبغي، وهو ما يبدو أن البنك الفيدرالي يناقضه في الوقت الحالي”.

* شريف عثمان كاتب وباحث اقتصادي

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

التضخم على جانبي الأطلسي

قد يعجبك ايضا