العنصرية ضد السود

تعبر العنصرية العرقية ضد السود عن أحطِّ درجات الانحطاط في عقيدة التفوّق الغربي، وفي نزعة التمركُز على الذّات.

العنصريّة البغيضة مبْناها على العِرق ويسكنها شعور بـ«تفوّق» العِرق الأبيض (لمجرّد أنّه أبيض!) على غيره من الأعراق والأسْود منها خاصّة.

ما من خرافةٍ أشدّ سخافةً من خرافة الأعراق وتصنيف بني البشر إليها ووضعهم مَراتبَ في سُلَّمها والأسخفُ منها تحويلُها إلى سياسةٍ ونظامِ حكم!

لم تُعَبِّر ثقافة الرّجل الأبيض العنصريّة التّمييزيّة عن نفسها بمراكز الغرب (أوروبا، أمريكا الشّماليّة) فحسب بل حيثما حلَّت تجمّعات البيض واستوطنت بأصقاع العالم.

* * *

بقلم: عبدالإله بلقزيز

للعنصريّة في بلدان الغرب وجْهٌ ثانٍ، داخليّ، غيرُ وجهها الأوّل المتعلّق بالنّظرة الدّونيّة إلى مواطنيها الذين هُم من أصول مهاجرة. والوجه الثّاني هذا هو الذي تتجلّى فيه في شكل عنصريّةٍ ضدّ السّود من المواطنين.
قد يقال إنّ هؤلاء هم، أيضاً، من الذين استقدمتهم بلدان الغرب عبيداً من إفريقيا لأعمال السُخرة في مزارعها، ولغيرها من الأعمال اليدويّة الشّاقّة وبالتّالي ينطبق على العنصريّة ضدّهم ما ينطبق على العنصريّة ضدّ المواطنين الآخرين من ذوي الأصول الخارجيّة.

وقد يقال إنّ التّمييز ضدّ السّود جزءٌ من تمييز عامّ ضدّ «الملوَّنين» عموماً، من غير البيض، ولا يختصّ بهم حصراً. مع ذلك، لا بدّ من أخذ واقعتين في الحسبان يتبيّن بهما أنّ مشكلة السّود، في بعض البلدان الغربيّة، تكتسب طبيعةً خاصّة، وتُفصح عن نوعٍ بغيض من الثّقافة العنصريّة في الغرب.

تتّصل الواقعة الأولى بحقيقة أقدميّة المواطنين السّود في بلدان الغرب من سائر المهاجرين الآخرين إليها. ولذلك فالعنصريّة ضدّهم ذات تاريخ عريق يعود إلى القرن السّادس عشر (في أمريكا) والثّامن عشر (في أوروبا)، قبل أن تبدأ موجات الهجرة من الجنوب إلى هذه البلدان.

وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتّحدة تستوعب مهاجريها من المكسيك وبلدان أمريكا اللاّتينيّة وشمال أوروبا ثمّ شرق آسيا، وكانت فيه أوروبا تستوعب مهاجريها من إفريقيا وآسيا، ظلّ المواطنون السّود الأمريكيّون محرومين من حقوقهم المدنيّة إلى النّصف الثّاني من ستّينيّات القرن الماضي.

ولم تكن حالهم مع هذا الحرمان الحادّ لتشبه حال أيّ جاليةٍ مهاجرة أخرى من اللاّتين أو اليابانيّين أو الهنود أو الصّينيّين أو حتّى العرب والمسلمين.

وتتّصل الواقعة الثّانيّة بحقيقة التّفاوت في النّظر إلى الملوّنين، من جهة العين العنصريّة، على خلفيّة تصنيفهم إلى مراتب تقع مرتبة السّود في أدناها.

وأيّاً كان مدى العنصريّة الذي بلغته تجاه الملوّنين – وهو كبير- إلاّ أنّ مداها ضدّ السّود أبعد (خاصّةً في الولايات المتّحدة). وهو أمرٌ يرتدّ إلى عنصريّة اللّون، ابتداءً، لكنّه يرث– في الوقتِ عينه– النظرة الاحتقاريّة إلى السّود بوصفهم عبيداً، التي سكنت وعي مجتمع البيض من ذوي الأصول الأوروبيّة منذ قرون.

لم تُعَبِّر ثقافة الرّجل الأبيض العنصريّة التّمييزيّة عن نفسها في مراكز الغرب (أوروبا، أمريكا الشّماليّة) فحسب، بل حيثما حلَّت تجمّعات البيض واستوطنت في أصقاع العالم.

ولعلّ نظام الفصل العنصريّ في جنوب إفريقيا أوّلُ مثالٍ على الزّحف السرطاني لهذه الثقافة القائمة على اللون/العِرق خارج مراكزها؛ فلقد تم استيطان جنوب إفريقيا من الرّجل الأبيض منذ القرن السّابع عشر، وفرض البيضُ الأوروبيّون المستوطنون سيطرتهم على الثّروة منذ ذلك الحين.

ولم يتغيّر وضع هذه السّيطرة بالاحتلال البريطانيّ لها في القرن التّاسع عشر، بل تَعَاظَم أكثر وصولاً إلى «استقلالٍ»، في أوائل القرن ال 20، وَضَع البلاد في يد البيض المستوطنين. ثمّ ما لبث الأخيرون أن فرضوا نظام الأبارتهايد، في العام 1948، الذي حَرَم شعبَ الأرض من السّود من كلّ شيء، إلى أن نجحت حركة التحرّر الوطني، بقيادة «المؤتمر الوطني الإفريقي» وزعيمه نيلسون مانديلا، في كسر هذا النّظام وإسقاطه في أوائل التّسعينات من القرن الماضي.

وربّما ساد الاعتقاد، من ثلاثين عاماً، بزوال عنصرية البيض تجاه السّود بعد سقوط نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. ولكن تبيّن مع الزّمن، أنّه اعتقاد زائف ما إن بدأت تتجدّد وقائعُ التّعبير عنه في مراكز العنصرية.

ففي الولايات المتحدة، وعلى الرغم من نجاح حركة الحقوق المدنيّة، التي قادها مارتن لوثركينغ، في إنهاء سياسات الميز العنصري ضد السود، في النّصف الثّاني من الستّينات، إلاّ أنّها تجدّدت على نحوٍ صاخب، في الأعوام الأخيرة، لتبلغ ذروتها غداة مقتل المواطن الأمريكي الأسود، جورج فلويد، بطريقة وحشيّة على يد، وتحت ركبة شرطي من البيض.

لتنطلق، بعدها، انتفاضة عارمة شارك فيها ما يزيد على العشرين مليوناً، وشملت عشرات المدن والولايات الأمريكيّة. وممّا زاد من بِلّة الطّين أن رئيس أمريكا حينها (دونالد ترامب) لم يُخْفِ عنصريّته تجاه السّود وحركاتهم الاحتجاجيّة، الأمر الذي فاقم الشّعور بأنّه لم يفعل سوى أنّه أفصح عن ثقافةٍ عنصريّةٍ جمعيّة عميقة.
من نافلة القول أنّ هذه العنصريّة البغيضة، التي مبْناها على العِرق، والتي يسكنها الشّعور بـ«تفوّق» العِرق الأبيض (لمجرّد أنّه أبيض!) على غيره من الأعراق -وعلى الأسْود منها خاصّةً- تعبيرٌ عن أحطِّ درجات الانحطاط في عقيدة التفوّق الغربي، وفي نزعة التمركُز على الذّات. ما من خرافةٍ أشدّ سخافةً من خرافة الأعراق، وتصنيف بني البشر إليها، ووضعهم مَراتبَ في سُلَّمها. والأسخفُ منها تحويلُها إلى سياسةٍ ونظامِ حكم!

 

* د. عبد الإله بلقزيز كاتب وأكاديمي مغربي

المصدر| الخليج

موضوعات تهمك:

ذاكرة الأمريكيين وتاريخهم

قد يعجبك ايضا