العرب بين سرقة الخصوصية والفاقد المعرفي!

لم نعد كأمة عربية نشارك إلا في استهلاك المعرفة، من دون مساهمة جدية في صناعتها.

عدم توفر التكنولوجيا لمليار طفل حول العالم، ساهم في إحداث فاقد معرفي سينعكس على إنتاج المعرفة واقتصاديات العالم وتطوره.

العرب ليسوا جزءاً من التطور التقني إذ لم يقدموا إنتاجاً علمياً معرفياً مؤثراً منذ قرن من الزمن بل شهد العقد الماضي تسارعاً كبيراً لنكبات العالم العربي.

من لا ينتج المعرفة لا يستطيع التحكم بمخرجاتها ولا يمتلك القدرة على السيطرة على نتاجاتها، وصولاً إلى فقدان أمنه الشخصي وخصوصيته الفردية وأسرار بيته.

* * *

بقلم: صبري صيدم

تجاوز التطور التقني العالمي اليوم ما كنا قد اعتدنا على مشاهدته في أفلام الخيال وجيمس بوند وحرب النجوم والقائمة تطول، لكن العرب ليسوا جزءاً من هذا التطور، إذ لم يقدموا إنتاجاً علمياً معرفياً مؤثراً منذ قرن من الزمن، وذلك حسب تقارير التنمية البشرية المتعاقبة.

بل شهد العقد الماضي تسارعاً كبيراً لنكبات العالم العربي وربيعه، وصولاً إلى حالنا اليوم. وعليه لم نعد كأمة عربية نشارك إلا في استهلاك المعرفة، من دون مساهمة جدية في صناعتها.

أمام هذه الحال، فإن من لا ينتج المعرفة لا يستطيع التحكم بها ولا بمخرجاتها، ولا يمتلك القدرة على السيطرة على نتاجاتها، وصولاً إلى فقدان أمنه الشخصي وخصوصيته الفردية وأسرار بيته، التي أصبحت مستباحة بحكم الانتشار العشوائي للتكنولوجيا، واعتماد الناس على منصات وتطبيقات متنوعة، لا يعرفون أو لربما لا يكترثون في معرفة محددات استخدامها.

لذلك، لا يوجد في العالم اليوم أمام جمهور المستهلكين أمن مطلق للمعلومات، مهما تعددت وسائل الحماية المزعومة والمتعددة، بما فيها تلك التي تخص: حماية منصات المعلومات من خوادم ومعدات وشبكات وبيانات.
وعليه فإن مقولة: السر إذا جاوز الاثنين ضاع، قد أصبحت اليوم وفي عصر التسارع التقني الذي نعيش، قائمة على حقيقة أن الخبر إذا ما وصل الإنترنت ذاع.

إن الطريقة الأكثر أمناً لتراسل البيانات وتبادل المعلومات تقوم على العودة إلى الجذور، عبر التراسل الشفهي للمعلومات خارج البيئات التي تتوفر فيها أجهزة تستخدم تقنيات متنوعة للبث، كالهواتف المحمولة والبلوتوث وموجات الراديو والميسرات (الراوترات) ووحدات البث المعروفة بنقطة النفاذ (Access Point) والنقطة الساخنة (Hotspot) وغيرها الكثير من وسائل البث، وتبادل البيانات على اختلافها.

لكن البيئة المعلوماتية اليوم وأمام شراهة استخدامها، إنما توفر للأجهزة الأمنية العربية التي أدمنت مراقبة رعاياها وخصومها، المنصة الأفضل للتجسس والاختراق، والحصول على المعلومات والرصد والتتبع، خاصة عبر الهواتف المحمولة وتطبيقات الرسائل القصيرة والفيسبوك والواتس آب والاتصال الصوتي المباشر والتيك توك والسناب تشات والماسينجر والإنستغرام وغيرها الكثير، بما يشمل جملة التطبيقات التي نوافق تحميلها على أجهزتنا، دونما الاكتراث بقراءة محددات استخدامها.

من جهة أخرى، ورغم كثافة اعتماد العالم على التكنولوجيا في التواصل المهني والتعليمي والاجتماعي في زمن كورونا، إلا أن عدم توفر تلك التكنولوجيا لدى مليار طفل حول العالم، حسب تقرير اليونسيف الأخير، قد ساهم في إحداث فاقد معرفي كبير ستكون له انعكاساته على إنتاج المعرفة واقتصاديات العالم وتطوره التكنولوجي، وهو ما سيقود إلى تراجع إنتاج التقانة وتطورها جزئياً، رغم ما شهدناه من إطلاق تقنيات الجيل الخامس للاتصالات، وبدء العمل على تطوير الجيل السادس.

وقد يصاحب هذا الفاقد العلمي المعرفي تراجع مستقبلي في تطور البشرية، وانحسار الاقتصاديات، وولادة الأزمات، وافتعال الحروب، وانتشار الفقر والجوع، وهو ما سيعزز حرص دولنا العربية، وغيرها الكثير من دول العالم على إحكام قبضتها الأمنية على مجتمعاتها، وبهذا تتسع دائرة اقتحام الخصوصيات الشخصية، وسلب الحريات وانتهاك الأسرار، وتهديد الأمن الشخصي.

لذلك فإن المطلوب عالمياً هو سرعة تدارك هذا الفاقد وإنقاذ البشرية من براثن الفقر المتوقع وما سيحمله من تبعات كارثية، الأمر الذي يتطلب جهداً عالمياً تكاملياً ينقذ ما يمكن إنقاذه، وإلا اضطرت البشرية للتعامل مع جيل تاه في عالم الوباء ففقد المعرفة، وسعى للنجاح السهل دون تحصيل علمي رصين فضاع في مواطن الجهل والتخلف والحروب… لا سمح الله!

* د. صبري صيدم كاتب فلسطيني

المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

ظواهر سياسية جديدة مقلقة

قد يعجبك ايضا