الصراع في أوكرانيا.. لعبة بلا قوانين

لم تعد الدول ودساتيرها وقوانينها تحمي مكوناتها، وأقلياتها، وإنما من يحميها هو تدخل عسكري خارجي!
الصراع في أوكرانيا ليس بعيداً عن الوضع العربي والإسلامي بل سيترك أثره سلباً أو إيجاباً حال تطوره عسكريا أو كعقوبات اقتصادية.
سنشهد تراجعاً في اعتماد الغرب على الطاقة الروسية والتفاتاً غربياً لمصادر الطاقة العربية وتقلّص مساحة الأنظمة الاستبدادية المعتمدة على روسيا وغيرها.
لا يزال البعض يعتقد أن ثمة فُرصة للتوصل لتسويات على حساب أوكرانيا واستقلالها فكما تسامح الغرب مع اجتياح أبخازيا بجورجيا والقرم بأوكرانيا ومن قبل في مولدافيا قد يتسامح مع روسيا اليوم في أوكرانيا.

* * *

بقلم: أحمد موفق زيدان

كشف الصراع في أوكرانيا كحال الصراع في سوريا وغيرها من الدول، التي تشهد صراعات دولية، عن غياب القواعد والقوانين الدولية الناظمة للعالم سابقاً.
فقد شهد الكثير منّا كيف تحرّك العالم كله لمواجهة الغزو السوفييتي لأفغانستان في مثل هذه الأيام من عام 1979، لانتهاك موسكو يومها سيادة الأراضي الأفغانية، وشنها حرباً على الشعب الأفغاني امتد لعقد كامل، لكن لم يجدْ الأخير نفسه وحيداً في المعركة، وإنما دعمه وسانده العالم كله.
وظن العالم يومها أن هذا قد يكون درساً لروسيا وغيرها بكلفة كل من يحاول انتهاك سيادة الدول، حتى استفاق العالم على تدخل إيراني وروسي في سوريا وغيرها دون أن يرد العالم بنفس الطريقة أو شبيهها التي فعلها أيام الجهاد الأفغاني.
فمنذ سنوات ونحن نشهد تصاعداً في استخدام المليشيات والجيوش غير النظامية، لتُعفي بذلك الدول من مسؤولياتها الأخلاقية، فضلاً عن كونها أرخص ثمناً، فكانت شركات البلاك ووتر الأمريكية في العراق، وفاغنر في سوريا وليبيا ومالي وغيرها، والمليشيات الطائفية في العراق وسوريا واليمن، مما جعلها حروباً بالوكالة، لا تخضع لقوانين دولية، ولا منظومات أخلاقية عرفها العالم سابقا.
وإنما غدونا أشبه ما نكون بعالم قديم لا ناظم ولا قوانين له، وزاد الطين بلّة استخدام الدول ذرائع جديدة لم يعهدها العالم من قبل، كحق مكتسب لها كما تعتقد في التدخل العسكري، تحت ذريعة التدخل لحماية مراقد، أو لحماية امتدادات دينية وثقافية وإثنية، كما رفعت شعارها موسكو في كييف.
وهو يعني باختصار أن الدول ودساتيرها وقوانينها لم تعد هي من تحمي مكوناتها، وأقلياتها، وإنما من يحميها هو تدخل عسكري خارجي، مما جعل العالم في مهبّ الريح، وجعلت الدول ساحة سائبة للقوي القادر على التدخل لحماية مصالحه وفئاته ومكوناته، على حساب العدالة وسيادات الدول وحريتها.
تصاعد الصراع في أوكرانيا سيُفضي إلى حالة فوضوية عالمية غير مسبوقة، فإن لجأ الغرب إلى دعم أوكرانيا بالسلاح المتطور كما تريد الأخيرة، فإن موسكو ستُصعّد من جانبها، ولن تقبل وجوداً للناتو على حدودها الشرقية، وهي التي تتذرع بأن الرئيس السابق غورباتشوف انتزع تعهداً من ريغان يومها بعدم تمدد وتوسع الناتو شرقاً، الأمر الذي نفاه غورباتشوف نفسه لاحقاً.
تتسلح موسكو اليوم بوجود جيبين شرقي أوكرانيا يديرهما متمردون موالون لها، وهي من تقوم على تسليحهم ودعمهم، ومثل هؤلاء سيكونون بمثابة رأس الجسر للتدخل الروسي في أوكرانيا، التي تنظر إليها موسكو كتهديد حقيقي لها نتيجة تمدد الناتو شرقاً، وكمخالب دب روسي في لعبة دولية، تماماً كما يفعل في سوريا.
بكل تأكيد تدرك روسيا تماماً أن واشنطن اليوم بعد هزيمتها المُذلة في أفغانستان، ليست في وارد الصدام مع روسيا، فهي منشغلة بنفسها، فضلاً عن انكفاء أمريكي واضح في أفريقيا، والشرق الأوسط، مع انشغال في بحر الصين الجنوبي.
وفوق هذا كله حرب باردة كلامية وسياسية مع أوروبا، وحتى الأخيرة لديها خلافات بينية، ولعلّ أكثر ما تجلى أخيراً بمهاجمة وزير الدفاع الأوكراني لألمانيا لمنعها بلاده شراء أسلحة من الناتو لمواجهة العدوان الروسي المحتمل حسب وصفه، وأضاف الوزير إن ألمانيا تصر على المضي قدماً في مشروع نوردم ستريم الذي سيجرّ الغاز الروسي إلى ألمانيا وأوروبا.
واشنطن لا تزال تكتفي بلغة التحذير من الإقدام على أي غزو محتمل، حيث قال وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن عقب المحادثات الافتراضية بين بايدن ـ بوتين بأن الأيام والأسابيع المقبلة كافية لرؤية فيما إذا كان بوتين أصغى لما قاله الرئيس بايدن، وهو يعكس حجم ومدى التحذير الذي وجهه بايدن لبوتين في لقائهما الأخير.
الصراع في أوكرانيا قد يُطلق سباق تسلح، ومثل هذا السباق لا تقوى عليه روسيا في ظل قلّة الموارد، وهو ما لخصه خبير روسي لتقرير مجموعة الأزمات الدولية بقوله:
“بوتين لا يريد سباقاً للتسلح، لأنه باختصار ليست لديه موارد لها”، ولعل التهديدات الأمريكية في فرض عقوبات على الشركات الأوروبية المتعاملة مع روسيا ستُلحق أفدح الضرر بالاقتصاد الروسي، بالإضافة إلى التهديد بحرمان موسكو من خاصية السويفت كود، وهو ما يعني وقف تعاملها مع البنوك العالمية، مما سيضرّ بالتجارة والأعمال الروسيين.
الصراع في أوكرانيا في جوهره وتداعياته ليس بعيداً عن الهموم العربية والإسلامية، وإنما سيصيبها سلباً أو إيجاباً، ولعله في حال تطوره العسكري، أو إن كان على شكل عقوبات اقتصادية، سنشهد تراجعاً في الاعتماد الغربي على مصادر الطاقة الروسية، والتفاتاً غربياً لمصادر الطاقة في المنطقة العربية.
بالإضافة إلى تقلّص مساحة الأنظمة الاستبدادية المعتمدة على روسيا وغيرها، لكن ومع هذا لا يزال البعض يعتقد أن ثمة فُرجة وفُرصة للتوصل لتسويات ممكنة، قد تكون على حساب أوكرانيا واستقلالها، فكما تسامح الغرب مع الاجتياح في أبخازيا بجورجيا، والقرم في أوكرانيا، ومن قبل في مولدافيا، ربما يتسامح مع روسيا اليوم في أوكرانيا.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري

المصدر| الشرق

موضوعات تهمك:

هل فقدت أوكرانيا الثقة في حلفائها؟

قد يعجبك ايضا