الشباب الأردني وتحدّي العمل الحزبي

هناك إرادة سياسية صلبة في تحقيق التحوّل السياسي، يبقى الوصول إلى خطة عمل زمنية فاعلة لمغالبة العوائق والصعوبات ومواجهة التحدّيات.

ما الذي يجعلنا متأكدين أنّ توصيات اللجنة ليست مشابهة لما سبق من لجان وصلت مخرجاتها إلى الأدراج، دون تحقيق اختراق جوهري في الحياة السياسية؟

التحدّي الحقيقي اليوم في هدم جدران تحول بين الشباب والعمل الحزبي وإيجاد آليات مناسبة لذلك كمسارٌ معاكس لعقود سابقة حيث كان العمل الحزبي العربي “محرمًا” يُخشى الاقتراب منه.

* * *

بقلم: محمد أبومازن

حظيت بدعوة من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني – الجناح الشبابي، يوم الجمعة الماضي، إلى ملتقى شبابي ضم مئات من شباب الحزب ومريديه، وكان الهدف منه التمهيد للمرحلة المقبلة، عبر تطوير قدرات الحزب في الاشتباك مع جيل الشباب وقضاياه وأولوياته وهمومه، وقد أُعلِن إطلاق مدرسة أو أكاديمية لتدريب الشباب وتأهيلهم مع بداية العام المقبل.

تأتي خطوة الحزب ضمن حراك ملحوظ في المشهد السياسي الأردني، منذ إطلاق مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية، التي قلبت المعادلة رأساً على عقب، عبر التشديد على تحوّل جوهري في سياسات الدولة نحو دمج الشباب في العمل العام والسياسي، وتشجيع الشباب الأردني على الانخراط في الأحزاب السياسية، ضمن حزمةٍ من التشريعات والسياسات الجديدة التي تعزّز من حضور الأحزاب في الحياة البرلمانية، وتقول، بصورة واضحة جلية، إنّ الحكومات ستصبح برلمانية حزبية، ضمن خطة متدرجة تبدأ اليوم، وتحقق أهدافها بعد عقد.

ما الذي يجعلنا متأكدين من أنّ توصيات اللجنة ليست مشابهة لما سبق من لجان وصلت مخرجاتها إلى الأدراج، من دون تحقيق اختراق جوهري في الحياة السياسية؟

لأسبابٍ متعددة، في مقدمتها أنّ هنالك إصراراً ودفعاً واضحاً من الملك نفسه نحو التوغل في هذا المسار السياسي الحزبي، ولترسّخ قناعة لدى نخبة في دوائر القرار اليوم بضرورة إحداث نقلةٍ نوعيةٍ في الحياة السياسية، تردم الفجوة المتنامية بين مؤسسات الدولة والشارع، بعد أزمات داخلية عديدة، أكّدت ضرورة تجديد النخبة السياسية وإيجاد مناخات سياسية مناسبة لجيل الشباب للتعبير عن اتجاهاتهم ومواقفهم، بديلاً للاحتجاج في الشارع أو الهروب نحو الجماعات الدينية المتشدّدة.

 

في ضوء القناعات والتصورات الجديدة، تؤكّد لقاءات الملك المتكررة، وخطاب العرش في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة في الأسبوع الماضي، على الجدّية هذه المرة في التغيير المتدرج نحو تغيير مسار الحياة السياسية في البلاد.

والتحدّي الحقيقي اليوم في هدم الجدران النفسية والثقافية التي تحول بين الشباب والعمل الحزبي، وإيجاد الآليات المناسبة لذلك، وهو مسارٌ معاكس تماماً للعقود السابقة حينما كان العمل الحزبي، في العالم العربي عموماً، يمثّل “تابو” يخشى الجميع من الاقتراب منه.

تجادل طبقة من السياسيين، بخاصة الجيل القديم، بعدم إمكانية القيام بهذا التحوّل، بذرائع متعدّدة، منها أنّ جيل الشباب اليوم مشغولٌ في أولوية تأمين حياة كريمة، ومكافحة البطالة وفرص العمل الشحيحة، وأنّهم (جيل الشباب) غير مؤهل ولا مستعد لخوض غمار التجربة الحزبية، بدعوى عدم امتلاك المهارات والقدرات المناسبة لذلك!

بالضرورة، مثل هذه الحجج لا تصدر عن وعي حقيقي بالتحولات العميقة والجذرية التي حدثت لجيل الشباب، وبرزت تجلياتها منذ عقد من الربيع العربي، عبر الاحتجاجات الشعبية التي قادها الشباب المثقف والمعولم، الذي أعاد صوغ المجال السياسي، وأبدع في بناء استراتيجيات وتكتيكات جديدة في التغيير السياسي، مستثمراً ما يوفره العالم الافتراضي من فرص هائلة للتعبير والعمل والتغيير، لم تكن متوافرة للأجيال السابقة، وتمنح القدرة على مواجهة الأساليب التقليدية للحكومات العربية التي طالما وقفت ضد انخراط الشباب في العملين، الحزبي والسياسي.

أردنيّاً، رغم الإقرار، بدايةً، بأن أولوية الشباب هي بالفعل البطالة ومحدوية فرص العمل، فذلك لا ينفي أن لدى شريحة واسعة من هذا الجيل تعطّشاً ورغبة في العمل السياسي والحزبي، بل هنالك آلاف منهم تلقوا تدريبات مكثفة خلال الأعوام الماضية، من خلال مؤسسات المجتمع المدني، على العمل العام والمنظّم، ولديهم مهارات ملحوظة في هذا المجال، وينتظرون الفرصة المناسبة لولوج الملعب السياسي.

إذاً، فكّ شيفرة التحام الشباب الأردني بالشأن العام والولوج إلى السياسة من بوابة الأحزاب السياسية يتطلب خطة عملٍ تقوم على تجسير الفجوة بينهم وبين الأحزاب السياسية (فجوة عالمية اليوم، بالمناسبة)، من خلال تطوير قدرات الأحزاب نفسها ومساعدة الفاعلة منها في الوصول إلى جيل الشباب، والتحوّل نحو خطابات برامجية قادرة على أن تفهم هذا الجيل وتتفاعل معه من زاوية، وتمكين الشباب من الانخراط في العمل الحزبي المناسب لهم.

ثمّة عوامل عديدة متوافرة اليوم لم تكن فاعلة في السابق، أهمها وجود إرادة سياسية صلبة في تحقيق التحوّل السياسي، يبقى الوصول إلى خطة عمل زمنية فاعلة لمغالبة العوائق والصعوبات ومواجهة التحدّيات.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق.

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

عقدة «الوزير المرعوب» في الأردن

قد يعجبك ايضا