الخيار الأردني تهديدٌ جدّي

يمكن التأريخ لتصاعد مستمر لهذا السياق منذ إدارة ترامب وطرح “صفقة القرن” ونقل السفارة الأميركية للقدس، ثم اتفاقات أبراهام.
أدت حرب أوكرانيا لتداعياتٍ سلبية على قضية فلسطين: تراجع جديد بمركزيتها وأهميتها وتوجه إدارة بايدن لاسترضاء ودعم تحالف إقليمي عربي إسرائيلي.
توقيت مقالاتٍ نُشرت أخيرا حول العودة إلى الحل الأردني وفيدرالية مع الضفة الغربية ليس بريئاً ومنبتّاً عن سياق دولي إقليمي يحاصر الأردن لإعادة طرح الخيار الأردني.
ثمة خطاب إسرائيلي يركز حالياً على وضع مسار مختلف لمستقبل القضية ويبدو الحل الوحيد لدى الإسرائيليين، للخروج من أزمتهم، تصديرها للأردن، أمنيا وسكانيًا!
يُطرح حاليا انتهاء الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على الاستمرار والبحث عن بديل (أردني) أصلب وأقوى وإغلاق ملف قضية فلسطين على حساب الأردن وفلسطين.
إذا اكتفى الأردن بالرفض ديبلوماسيا ستجتاحه السياقات الجديدة، وربما سيناريو “خنق الأردن” والعودة لسيناريو اللعب بالساحة الداخلية، واستثمار أزمات سياسية واقتصادية كبيرة.
* * *

بقلم: د. محمد أبو مازن
يدرك “مطبخ القرار” في عمّان جيداً أن توقيت مقالاتٍ نشرت أخيراً، تحدّثت عن العودة إلى الحل الأردني والفيدرالية مع الضفة الغربية، ليس بريئاً ولا منبتّاً عن سياق دولي وإقليمي، يسعى للضغط على الأردن ومحاصرته، لوضع هذا الخيار على الطاولة من جديد.
كنّا قد أشرنا إلى هذا السياق الجديد الخطير في تقرير صادر عن معهد السياسة والمجتمع، ويمكن التأريخ للتصاعد المستمر والمنتظم في هذا السياق منذ إدارة الرئيس ترامب، وطرح “صفقة القرن” وموضوع السفارة الأميركية بالقدس، ثم اتفاقات أبراهام، وحالياً العزف على لحن انتهاء الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على الاستمرار، والبحث عن بديل أكثر صلابة وقوة، وهو الأردني، ما يؤدي إلى إغلاق ملف قضية فلسطين للأبد، على حساب الأردنيين والفلسطينيين.
الخيار الأردني طُرح مؤخرا، وفي التوقيت نفسه تقريبا، من جهتين أخيرا:
الأول كاتب سعودي من أصول فلسطينية، علي الشهابي، وحمل عنوان “مملكة فلسطين الهاشمية”.
ولعل ما لفت الانتباه، نشره على موقع “العربية نت”، ما أعطى انطباعاً لدى الرأي العام الأردني أنه لا يمثل شخصاً، بقدر ما يعكس سياسات إقليمية ترتبط بأجندة “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
وتستبطن الانتهاء من مركزية قضية فلسطين، وأسهل خيار يمكن أن يريح الإسرائيليين والأميركيين هو الأردني، وبصورة خاصة إنهاء السلطة الفلسطينية لمصلحة الحكم الهاشمي، وإنهاء ما سمّي حق العودة للاجئين الفلسطينيين بصورة نهائية وقاطعة.
أما المقال الثاني، فطرحه وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، شلومو بن عامي، بعنوان “مستقبل أردني للضفة الغربية”، ونشره في “وول ستريت جورنال”، وانتهى إلى ضرورة عودة الأردن إلى الضفة الغربية بوصفه الحل الوحيد الممكن اليوم لقضية فلسطين، بعد إعلان “وفاة حل الدولتين”، و”عدم واقعية” طرح فيدرالية إسرائيلية فلسطينية، فلا يبقى غير عودة الضفة الغربية إلى الأردن، أو العودة لما كانت عليه الحال قبل 1967.
بالعودة إلى المقالات والتصريحات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، من الواضح أنّنا أمام خطاب إسرائيلي يتمركز حالياً في وضع مسار مختلف لمستقبل القضية؛ والأخطر أنّه على ما يبدو الحل الوحيد في الأفق لدى الإسرائيليين، للخروج من أزمتهم، أو تصديرها إلى الأردن، سواء على الصعيد الأمني أو السكاني!
ورغم أنّ إدارة الرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، أوقفت التسارع السابق من ترامب وفريقه وصهره جاريد كوشنر تجاه تصفية القضية وموضوع القدس واللاجئين وما يسمّى السلام الإقليمي، إلإ أنه لا بايدن ولا فريقه قدّموا خيارات أو تصورات بديلة، بل اكتفوا بتجميد مشروع ترامب.
ما هو أخطر من ذلك كلّه، أن الحرب الأوكرانية الروسية ولّدت تداعياتٍ سلبية أخرى على قضية فلسطين؛ تتمثّل أولاً بتراجع جديد في مركزيتها وأهميتها، وثانياً بمحاولة إدارة بايدن استرضاء أطراف إقليمية، والتخلي عن مواقف سابقة.
وهي أمورٌ انعكست على الترتيبات الراهنة للزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي إلى المنطقة، لكن بتركيز أكثر على المصالح الاقتصادية والأمنية الأميركية، مع دعم أكبر للتحالف الإقليمي العربي الإسرائيلي، الذي شعر بالتضرّر من مغادرة ترامب البيت الأبيض.
ضمن هذه السياقات والأنساق، يمكن أن نفهم تطور الحديث عن الخيار الأردني، وهو أمر لا ينبغي أن يقف المسؤولون الأردنيون عند حدود تسخيفه وتجاهله؛ والتمسّك بخطابٍ تقليديٍّ يصرّ على حل الدولتين الذي لم يبق إلا الأردنيون يتحدّثون عنه!
إذا أراد الأردن حقاً مواجهة هذه الخطابات التي بدأت تشقّ مساراتٍ، وستصبح سياساتٍ معلنة قريباً، بما يهدّد أمنه الوطني ومصالحه الاستراتيجية؛ فإنّ على صانع القرار الأردني وضع خيارات وأفكار جديدة مختلفة على الطاولة؛ إما بطرح حل الدولة الواحدة، مثلاً، التي تشمل كل فلسطين التاريخية، والضغط على النظام الإسرائيلي بدلاً من الضغط على الأردن، أو تشجيع تغيير الوقائع على الأرض فلسطينياً، سواء في القدس أو الضفة الغربية أو قطاع غزة.
إذا استمر الأردن بالرفض الديبلوماسي فقط، ستجتاحه السياقات الجديدة، وليس بعيداً تعزيز سيناريو “خنق الأردن” وإثارة المشكلات، وربما العودة إلى سيناريو اللعب في الساحة الداخلية، واستثمار الأزمات السياسية والاقتصادية الكبيرة.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق

المصدر: العربي الجديد

موضوعات تهمك:

حل المأزق الإسرائيلي على حساب الأردن

قد يعجبك ايضا