الحلّ المنشود والأمل المفقود في لبنان

يعاني لبنان من تراجع الثقة الدولية والعربية به فقد بات محل شكّ على الوفاء بالتزاماته على أيّ مستوى.
سيكون للإجراءات الخليجية التي يمكن أن تتصاعد تأثير كبير على لبنان فهي ستزيد من عزلته عربياً ودوليا وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

أزمة سياسية حادّة، تتمثّل في ضعف الحكومات وهيمنة القوى السياسية على قرارها، وهو ما يعكس ضعف الدولة وانكماشها وتراجعها.

فاقم الانقسام اللبناني العمودي أزمة سياسية بلغت أحيانا مبلغاً كاد ينزلق بالبلد نحو أتون الفوضى والحرب الأهلية كما عطّل أكثر من مرّة الحلول والانتخابات.

* * *
يعيش لبنان، منذ فترة ليست قليلة، على خط الزلازل الإقليمية والدولية، ويدفع ثمن صراع المحاور والتقلّبات في السياسة الدولية، وقد أدّى ذلك لانقسام عمودي في البلد منذ عام 2005 على أقلّ تقدير، وتكرّس هذا الانقسام يوماً بعد يوم.

فوجد اللبنانيون أنفسهم موزّعين على محورين أساسيين من محاور الصراع والتنافس القائم في المنطقة وعليها:

– محور يضمّ الدول المنضوية في ما يُعرف بمحور المقاومة والممانعة، وهي إيران والنظام في سورية وبعض التنظيمات المحلية في بعض الأقطار العربية، كالعراق ولبنان واليمن.

– ومحور آخر يضمّ ما يُعرف بدول الاعتدال، وهي السعودية والإمارات ومصر ودول أخرى، وله حلفاء أو أتباع أو مؤيدون في بعص الأقطار العربية، ومنها لبنان.

وقد فاقم هذا الانقسام اللبناني العمودي من الأزمة اللبنانية السياسية التي بلغت، في بعض الأحيان، مبلغاً كاد ينزلق بالبلد نحو أتون الفوضى والحرب الأهلية.

 

كما عطّل أكثر من مرّة الحلول والانتخابات، كما في انتخاب رئيس للجمهورية في العام 2008، وكذلك شغور منصب رئاسة الجمهورية حوالي عامين ونصف العام (2014 – 2016)، وكذلك تأجيل الانتخابات النيابية والتمديد للمجلس النيابي، أقلّه مرّتين لدورة انتخابية واحدة.

يعاني لبنان اليوم من أزمة سياسية حادّة، تتمثّل في ضعف الحكومات وهيمنة القوى السياسية على قرارها، وهو ما يعكس ضعف الدولة وانكماشها وتراجعها؛ ومن عدم قدرةٍ على ضبط حدوده، خصوصاً مع سورية، إذ أنّها مشرّعة على كلّ أنواع التهريب؛ ومن تسييس القضاء بشكل فاضح! إذ تتهم القوى السياسية المهيمنة على قرار البلد بعضها بشكل صريح بالتدخل في عمل القضاء وبتوجيهه وتسييسه.

ويعاني لبنان أيضاً من تراجع الثقة الدولية والعربية به، فهو بات محل شكّ على الوفاء بالتزاماته على أيّ مستوى، ما ضاعف من حجم الأزمة. وتتزامن أزمة لبنان السياسية وتترافق مع أزمة اقتصادية حياتية معيشية حادّة.

فالليرة اللبنانية فقدت أكثر من 90% من قيمتها وقدرتها الشرائية، والمواطن اللبناني فقد أكثر من 90% من قيمة دخله، والدورة الاقتصادية اللبنانية باتت تئن وترزح تحت وطأة الديون الداخلية والخارجية.

وبالتالي، بات لبنان مهدّداً بالإفلاس والانهيار التام، وفي وقت ولحظة كهذه، تأتيه المصائب من كل حدب وصوب، وكأنّه لا يكفيه ما هو فيه حتى تزداد الوطأة عليه وتنذر بسقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع، أو بتغيّر المشهد بشكل كامل.

بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 وخروج الناس مطالبين برحيل الطبقة السياسية المسؤولة عن كل هذا الوضع، تأمّل كثيرون خيراً، على اعتبار أنّه كثيراً ما تخرج من المحن الحلول.

غير أنّ كل الآمال التي عقدها اللبنانيون، سواء على انتفاضة 17 تشرين (أكتوبر 2019) أو على تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد تعطيل استمر أكثر من سنة، يبدو أنّها ذهبت أدراج الرياح.

فلا تلك الانتفاضة استطاعت أن تخرج الناس من مربعاتهم الطائفية والحزبية، إلاّ لوقت قليل ومحدود؛ ولا حكومة “معاً للإنقاذ” التي شكّلها ميقاتي أتت بالحلول للأزمات المتفاقمة، فقد باتت هذه الحكومة بحاجة إلى إنقاذ بعد أقلّ من شهرين على تشكيلها.

اصطدمت أولاً بمطلب تنحية المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت عن الملف، وهي أساساً سلطة تنفيذية في بلدٍ يقوم نظامه السياسي على مبدأ الفصل بين السلطات، فلا صلاحية لها للتدخل في عمل القضاء ولا في صلاحيات السلطة القضائية، وهو ما شلّ عمل الحكومة وعطّله منذ أكثر من شهر.

وقبل أن تخرج من هذه الأزمة واجهت أزمة أخرى لا تقلّ أهمية، عندما أعلنت السعودية وبعض دول الخليج العربي اتخاذ إجراءات بحق لبنان على خلفية تصريحات لوزير الإعلام، جورج قرداحي، قبل توليه منصبه، بحق السعودية واليمن.

في حين كانت تلك الإجراءات تعبّر عن عمق الموقف من لبنان، في ظل ما تعتبره تلك الدول هيمنةً من طرف على الدولة، واتخاذه لها منصّة لممارسة سياسة “عدوانية” تجاه دول المنطقة.

وبالطبع، سيكون لتلك الإجراءات الخليجية التي يمكن أن تتصاعد تأثير كبير على لبنان، فهي ستزيد من عزلته عربياً ودولياً، وهي ستفاقم من حجم الأزمة الاقتصادية، لأنّها تشكّل مورداً مالياً مهمّاً للبنان، وهي ستزيد أيضاً من حجم الانقسام اللبناني، بل ربما تخرج به عن جادّة الاستقرار إلى ما هو أصعب وأكثر تعقيداً.

الشعب اللبناني ينشد الحلّ لأزماته الكثيرة والمتناسلة، لكنّ المأزق يزداد اتساعاً وحجماً، ومعه بدأت آمال اللبنانيين تتلاشى.

ومع تلاشي آمالهم، باتوا ينحون نحو الهجرة وترك البلد، وليس أمامهم سوى البحر، لكنّ رحلة البحر محفوفةٌ بالمخاطر غير أنّها دفعت كثيرين إلى خوضها، لأنّهم فقدوا الأمل في بلد نجح بعضهم في تحويله ساحة لمعاركه وإدارة حساباته الخاصة، دونما اعتبار لمصلحة لبنان واللبنانيين.

* وائل نجم كاتب صحفي لبناني

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

مواجهة إيران في لبنان

قد يعجبك ايضا