الجنرال الأميركي وجيش الصين

تمتلك الصين أكبر جيش في العالم، تعداده نحو مليونين وثلاثمئة ألف جندي، مع جيش للاحتياط يزيد عن 500 ألف عنصر.

ساحة تطوير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لم تعد مجالاً للسيطرة الأميركية، وهذا أحد أهم أسباب قلق واشنطن من بكين، وتوتر العلاقات بينهما تجارياً وسياسياً.

الخشية من تطور القدرات العسكرية الصينية تفسّر تخصيص الولايات المتحدة أكثر من 66 مليار دولار من موازنتها الدفاعية في 2022 للمحيطين الهندي والهادئ

* * *

بقلم: سامر خير أحمد

مع مطلع عام 2016، تخلت الصين عن سياسة الطفل الواحد التي انتهجتها منذ 1979، أي بعد عام من إطلاقها سياسة الإصلاح والانفتاح التي صنعت النهوض الصيني المعاصر.
ورغم التفسيرات الاجتماعية والاقتصادية للسياسة الصينية الجديدة التي سمحت للأسر في المدن بإنجاب طفل ثانٍ، إلا أن تفسيرات أخرى ردّت الأمر إلى طموحات الصين بتوسيع جيشها مستقبلاً، عبر توفير طاقات بشرية جديدة، لا يتوقف دورها عند حدود إبطاء شيخوخة المجتمع، والمساهمة في التنمية الاقتصادية.
وقبل أيام، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارك ميلي، إن الصين توسع جيشها، وإن استثماراتها في قواتها البحرية، والصواريخ التي تفوق سرعة الصوت، والتكنولوجيا الإلكترونية، تهدف إلى رفع قوة جيشها ليكافئ ما هو متوفر لدى الولايات المتحدة وروسيا.
واقعياً، تمتلك الصين أكبر جيش في العالم، تعداده نحو مليونين وثلاثمئة ألف جندي، مع جيش للاحتياط يزيد عن 500 ألف عنصر. فيما جرى رفع الموازنة الدفاعية للصين لعام 2022 إلى نحو 209 مليارات دولار بنسبة 6.6% عن عام 2021، وهي ثاني أعلى موازنة دفاعية في العالم بعد الولايات المتحدة التي خصصت نحو 715 مليار دولار لوزارة دفاعها في 2022.
وهي أيضاً أعلى بكثير من الموزانة الدفاعية الروسية التي تقدّر لعام 2022 بنحو 40 مليار دولار فقط، حيث يحظى الإنفاق العسكري الروسي بسريّة عالية. ولا تعكس هذه الأرقام حقيقة الإنفاق العسكري للقوى الكبرى، بخاصة الولايات المتحدة والصين، نظراً إلى اختلاف التكاليف والأجور ورواتب الأفراد بينهما، الذي يزيد في الولايات المتحدة عنه في الصين.
وتفيد تقديرات غربية بأن الإنفاق العسكري الصيني ربما يكون أكبر من المعلن، وأن نحو 40% من موازنة الصين الدفاعية تخصّص للمعدّات العسكرية، وهو ما يعكس طموحات بكين لتعظيم سلاحها، خصوصاً في جوانب التكنولوجيا.
منذ تولى الرئيس الصيني، شي جين بينغ، السلطة في مطلع عام 2013، بدا واضحاً اهتمامه بتطوير القدرات العسكرية لجيش بلاده، وكان لافتاً تنظيمه أول استعراض عسكري ضخم للجيش منذ الحرب العالمية الثانية، خلال احتفالات العيد الوطني، أول أكتوبر/ تشرين الأول من 2015.
ورغم تفوق الولايات المتحدة عسكرياً على الصين تفوقاً كبيراً، إذ على سبيل المثال تمتلك واشنطن أكثر من 3700 رأس نووي مقارنة بنحو 350 رأساً نووياً لدى بكين، يمكن أن تزيد إلى 700 في 2027، كما تذكر التقديرات الأميركية نفسها، فإن الولايات المتحدة تنظر بحذر كبير إلى الطموحات العسكرية الصينية.
وهو ما عبر عنه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركي، أخيرا، بقوله إنه بينما تتقدّم الولايات المتحدة حالياً على الصين من الناحية العسكرية، على واشنطن تحديث قدراتها حتى تظل في المقدمة.
الخشية من تطور القدرات العسكرية الصينية هي ما يفسّر تخصيص الولايات المتحدة أكثر من 66 مليار دولار من موازنتها الدفاعية في العام المقبل لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك “مبادرة الردع في المحيط الهادئ”، ونحو 112 مليار دولار للبحث والتطوير والاختبار والتقييم لتطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت والذكاء الاصطناعي واتصالات الجيل الخامس.
وهي أنظمةٌ تصنّف في خانة التنافس مع الصين، إلى جانب رفع مخصصات القوات الجوية والبحرية، مقابل تقليص مخصّصات القوات البرّية المتوقع أن يكون دورها أقل في أي قتال محتمل ضد الصين.
أما بكين فتدير شؤونها الدفاعية من خلال اللجنة العسكرية المركزية، أعلى سلطة عسكرية في الصين، ويرأسها الرئيس شي جين بينغ بنفسه. ويتكون جيش الصين من خمس وحدات: القوات البرية، والبحرية، والجوية، والصاروخية، وقوة الدعم الاستراتيجي.
وأفادت تقارير غربية بأن الجيش الصيني انتقل من عقيدة الوحدات الكبيرة المتمثلة بالفيالق الضخمة إلى شكل الألوية والكتائب التي تشن حرب أسلحة مشتركة، بحيث تخوض قواته البرّية والبحرية والجوية عمليات مشتركة، مستفيدة من شبكات الاتصال الجديدة وتطور التكنولوجيا، عوضاً عن التركيز على الجيش البرّي الذي تدعمه قوات بحرية وجوية.
التكنولوجيا العسكرية هي إذن ساحة التنافس العسكري الرئيسية مع الولايات المتحدة. والبنود الأساسية في هذا السباق الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة المعدّات الحربية، إذ يتنافس الطرفان في إنتاج مركبات وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت بخمس مرّات. كذلك قالت تقارير أميركية إن الصين اختبرت أخيرا مدفعاً يُحمل على السفن، يمكنه إطلاق قذائف بسرعة تعادل سبعة أضعاف سرعة الصوت، يعتمد على الطاقة الكهرومغناطيسية.
تدّعي الولايات المتحدة أن واحدة من أدوات الصين التي مكّنتها من تحقيق هذه القفزات الكبيرة في التكنولوجيا العسكرية كانت اختراق الأنظمة الحاسوبية العسكرية الأميركية، والحصول على معلومات حساسة من خلالها، كحال تطوير الصين طائرة مقاتلة شبح يمكنها إصابة أهداف على بعد مائتي كيلومتر، لتنافس بذلك طائرتي إف-22 وإف-35 الأميركيتين.
والمسلّم به أن الصين استطاعت اختراق التكنولوجيا العسكرية الغربية المتطوّرة التي كانت تسبق قدراتها بمراحل عديدة، واللحاق بها، انطلاقاً من منتصف تسعينيات القرن الفائت، عبر ابتياعها سرّاً أسلحة أميركية متطورة من دول وسيطة، بغرض التعرّف إلى الأجيال الجديدة من التكنولوجيا التي كانت ممنوعة عليها. وهو أمرٌ كرّرته الصين حتى في تطوير صناعاتها في وسائل النقل.
لكن أياً كانت الطريقة التي اتبعتها الصين لتحقق هذه القفزات السريعة، فالمؤكّد أن ساحة تطوير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لم تعد مجالاً للسيطرة الأميركية، وهذا أحد أهم أسباب قلق واشنطن من بكين، وتوتر العلاقات بينهما تجارياً وسياسياً.

* سامر خير أحمد كاتب وباحث في الشأن السياسي

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

الحرب ضد إيران و«إعادة إعمار» إسرائيل!

قد يعجبك ايضا