البشرية وتجاوز متحورات كورونا الأشرس: رؤية مستقبلية وقائية

العالم العربي يجب أن يتساءل: هل من علاج شاف وفق فقه السنن الاجتماعية؟

يمكن النظر الى كارثة كورونا كحرب جرثومية عالمية وعالية التقنية تغذيها كبائر البشرية وطغيانها وفسادها.

البشرية أصبحت حائرة حول أصل الوباء ومصدره والتعامل الصائب معه حتى الغرب الملحد والمتهيب أصبح بعضه يتساءل: هل كورونا رسالة من الطبيعة؟

وباء كورونا أزمة غير تقليدية بل نادرة في طبيعتها فهذا التحدي يتطلب مقاربة وقائية شاملة لضمان عدم تكرار موجاتها ومعاركها المكلفة جدا ماليا وبشريا.

هل انتهكت محارم الله بصورة فاحشة؟ إلحاد وعلمنة وعقوق وطغيان وغش الميزان ومجاهرة بالشذوذ وترك الصلاة وإدمان وربا وزنا وأنانية وظلم وجوع وفساد.

هل وباء كورونا مجرد ابتلاء “طبيعي” أم عقوبة خاصة مخصصة؟ الإجابة في فطرة البشرية {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه} وتصرفاتها الراهنة العنيدة.

* * *

بقلم: جمال الخمصي

بينما الغرور البشري يعاند ويتمادى في غِيه للأسف، تجاوزت وفيات كورونا 5 ملايين حالة عالمياً، وفاقت إصاباته الرسمية 260 مليون حالة دون أفق واضح.

ومع بروز متحور جديد لكورونا (اوميكرون) يتسم بكونه شديد التعقيد واستثنائي الانتشار (بالمقارنة مع متحور دلتا)، لابد أن البشرية أصبحت حائرة حول أصل هذا الوباء ومصدره وطريقة التعامل الصائب معه. حتى إن الغرب الملحد والمتهيب أصبح بعضه يتساءل: هل كورونا رسالة من الطبيعة؟

أما العالم العربي فيجب أن يتساءل: هل من علاج شاف وفق فقه السنن الاجتماعية؟

في مقال سابق للكاتب عنونته بــ”وباء كورونا: التداعيات والترويض الإستراتيجي”، أشرت الى انه يمكن النظر الى كارثة كورونا بمثابة حرباً جرثومية عالمية وعالية التقنية، تغذيها كبائر البشرية وطغيانها وفسادها.

فهذا الفيروس يبدو غامضاً وديناميكياً، بل مدججا بأسلحة الذكاء والحرب البيولوجية الناجحة، وقادراً على التخفي والمراوغة والكر والفر وعلى تجنب التدخلات البشرية المقصودة، كأنه يفرض حدوداً على طغيان العلم البشري وعلى فرص التفاعل الإنساني غير العادل.

وهنالك في الوقت الراهن–على الأقل–غموض شديد في مجال خطورة المتحور الجديد تحديداً وفعالية اللقاحات المتوفرة تجاهه، مما جعل منظمة الصحة العالمية تلقبه بــ”المثير للقلق”، وتربطه بمخاطر “مرتفعة للغاية”.

بل إن هذه الموجة الوبائية الجديدة تأتي في العام الثاني بل في الشتاء الثاني للوباء تبدو مختلفة وأشد خطورة في تهديداتها من سابقاتها بعدة معايير، أشرحها تالياً باختصار:

أولا، أثر الخطورة والتعقيد المتزايد لتحورات الفيروس الجديد: هذا المتحور الجديد (أوميكرون) يملك ضعف عدد الطفرات على الأقل بالمقارنة مع متحور دلتا.

ثانياً، أثر التعوّد النفسي: بالمقارنة مع الموجة الأولى، فقد اعتاد الفرد والأسرة والمؤسسة للأسف على مخاطر الفيروس وتحذيرات الجهات الرسمية، ولم تعد هذه النصائح والتحذيرات تحدث فرقاً كبيراً أو تشكل السلوكيات والمواقف.

كما ان التشوق الى العودة المبكرة لممارسة الحياة الطبيعية سيكون لها تداعيات مفجعة كما تظهر سيرة وباء الأنفلونزا الاسبانية 1918.

ثالثاً، أثر الاقتصاد الكلي: يصعب من منظور معيشي تكرار تجربة الإغلاق الشامل كما في الموجات الأولى.

رابعاً، أثر استدامة الدعم الحكومي: يصعب استمرار الدعم الحكومي، مهما كان مستواه، الى ما لا نهاية له، حتى بالنسبة الى الدول الغنية.

خامساً، تفاعل الأسرة مع المؤسسات الأخرى: يصعب فرض التباعد بين أعضاء الأسرة، لكن إصابة عضو واحد من الأسرة اصابته العدوى من أحدى مؤسسات المجتمع (كالمؤسسة التعليمية أو مؤسسة العمل) ينعكس على إصابة جميع أعضاء الأسرة وربما بتداعيات كارثية على كبار السن (الآباء والأمهات). كما ان الأسر عموماً اصبحت تفضل الحجر والعلاج المنزلي على الذهاب الى المستشفى لأسباب متعددة مالية وغيرها.

سادسا، أثر الطقس الموسمي: هذا هو الشتاء الثاني للوباء، ومع انخفاض درجة الحرارة والتجمع الأسري ومع تأثير التعود النفسي وزوال التحوط وتجنب المخاطر، يتوقع أن تحدث هذه الموجة ضحايا أكبر.

سابعاً، قانون تناقص المنافع من التدخلات المركزية: هذا القانون ينص على تناقص الفائدة المتوخاة من ذات التدخلات الحكومية المستخدمة سابقاً، كتوفير اللقاحات والاختبارات التقليدية مجاناً وفرض الإغلاق والتباعد والكمامات وضبط الحدود.
وبسبب العوامل الفريدة والمستجدة السبعة أعلاه للموجة القادمة، ولكون وباء كورونا عموماً هو أزمة غير تقليدية بل نادرة في طبيعتها، فإن هذا التحدي يتطلب مقاربة وقائية شاملة لضمان عدم تكرار موجاتها ومعاركها المكلفة جداً مالياً وبشرياً (أنظر مقال الكاتب: أوبئة كورونا المتجددة بين المدخل العلاجي والمقاربة الوقائية بتاريخ 19/3/2020).

السؤال التالي يفرض نفسه: هل وباء كورونا هو مجرد ابتلاء “طبيعي” أم عقوبة خاصة ومخصصة؟ الاجابة الحاسمة هي في فطرة

البشرية (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) وأيضاً في تصرفاتها الراهنة والعنيدة.

لكن لنسأل: هل انتهكت محارم الله بصورة فاحشة؟ الالحاد والعلمنة والعقوق والطغيان والغش في الميزان والمجاهرة في الشذوذ وترك الصلاة وإدمان الخمور والربا والزنا وانتشار الأنانية والظلم والجوع والفساد.

وختاماً، اذا كان تأخر سقوط الأمطار يستدعي الصلاة والدعاء والعودة الى الله، فان انتشار هذا الوباء المهدد للصحة والحياة والاقتصاد، بل كامل المعيشة كما نعرفها، وتفاقم غيره من التحديات والمشكلات المجتمعية، هذا بمجمله يستلزم عودة صادقة الى خالق هذا الكون لاستمطار رحمته ودون معايير مزدوجة.

* د. جمال الخمصي باحث أكاديمي وخبير اقتصادي

المصدر| السبيل الأردنية

موضوعات تهمك:

هل توجد شريحة للتحكم بنا في لقاح “كورونا”؟!

قد يعجبك ايضا